الاثنين، 28 نوفمبر، 2011

شعر المخضرمين


منقول
شعر المخضرمين


المخضرم هو الذي أدرك الجاهلية والإسلام. والشعراء المخضرمون هم الذين عاشوا في الجاهلية وفي الإسلام ونظموا الشعر في العهدين: الجاهلية والإسلام. والمخضرم من يدرك عهدين متناقضين.

والشائع بين الناس أن الإسلام قد سبب في انصراف الناس عن الشعر وعن روايته "بما شغلهم من أمور الدين والنبوة والوحي وما أدهشهم من أسلوب القرآن ونظمه، فأخرسوا عن ذلك وسكتوا عن الخوض في النظم والنثر زماناً ثم استقر ذلك وأونس الرشد من الملّة ولم ينزل الوحي في تحريم الشعر وحظره وسمعه النبي، صلى الله عليه وسلم، وأثاب عليه، فرجعوا حينئذ إلى ديدنهم منه". وقد نسب إلى "عمر" قوله: "كان الشعر علم قوم لم يكن لهم علم أصح منه، فجاء الإسلام، فتشاغلت عنه العرب وتشاغلوا بالجهاد وغزو فارس والروم ولهت عن الشعر وروايته"، "فلما كثر الإسلام، وجاءت الفتوح، واطمأن العرب بالأمصار راجعوا رواية الشعر، فلم يألوا إلى ديوان مدوّن، ولا كتاب مكتوب، وألفوا وقد هلك من العرب من هلك بالموت والقتل، فحفظوا أقل ذلك، وذهب عنهم كثير". والشائع بينهم أيضاً أن الشعر قد أصيب بسبب ما تقدم بنكسة، فذبل وضعف وذهبت عنه قوة وسورة وجزالة وشدة الشعر الجاهلي، وأعرض الشعراء مثل "لبيد" عن الشعر، إذ رأوا أن في كلام الله ما يغنيهم عنه، وقّل بذلك عدد الشعراء و لا سيما الشعراء الفحول بالنسبة إلى أيام الجاهلية، وغلبت الليونة على الشعر الجديد، فصار شعر "حسان" الذي قاله في الإسلام ضعيفاً ليناً بالنسبة إلى شعره الجزل الذي قاله في جاهليته.

وجوابي على هذه الدعاوي: صحيح إن الشعر الجاهلي قد نقص حجمه وضاع قسم كبير منه، ولكن ضياعه ذلك لم يكن بسبب الإسلام، وإنما بسبب الأحداث والتطورات التي طرأت على جزيرة العرب، بسبب دخولها في الإسلام، كحروب الردة مثلاً و الفتوح، وانفتاح أرض الله الواسعة أمام المسلمين، وفرار الكثير من أهل جزيرة العرب نحو الخارج بحثاً عن أرض أخصب وماء أوفر، وجوّ أطيب وثراء وعيشة راضية. أما حروب الردة، فقد أكلت من المسلمين ومن المرتدين جماعة عرفت برواية الشعر ويحفظها له، وبنظم الشعر أيضاً، فقل بهلاكهم عدد حفّاظ الشعر، كما قلّ في الوقت نفسه عدد حفّاظ القرآن.

وأما الفتوح، فقد قتل فيها قوم من الشعراء ومن حفّاظ الشعر، فهلك بموتهم شطر من الشعر الجاهلي، وتقلص عدد العلماء به. كما ألهت الناس عن الشعر، بما فتحت لهم من آفاق الأرض وبما درّت عليهم من أموال وأشغال، قلصت من فراغهم الذي كان يكوّن معظم حياتهم في البوادي، فجعلتهم في الأرضيين الجديدة يصرفون معظم وقتهم في استغلال الأرضيين التي صارت من نصيبهم، وفي إحياء الموات، وفي تربية المواشي، والاشتغال بالزراعة، وهي أشغال تستبد بوقت الإنسان، وتصرف ذهنه اليها لمعالجتها، فلا يشعر في مثل هذه الحالة بما كان يشعر به يوم كان في بواديه فارغ البال، يقضي وقته بالتعبير عن نفسه بشعر يقتل به فراغه، ويسلي به نفسه بالتغني به لأصدقائه، ثم هو قد يتعيش منه، بما يناله من قبيلته من مال واحترام، وبما قد يحصل عليه من مدحه للملوك وللسادات من عطايا وهبات ثمناً للمدح. ومحيط فيه شغل وعمل، وفيه تعب جسماني وعقلي لا يساعد على نمو الشعر فيه، ومن هنا كان إقبال أهل الحضر مثل أهل مكة وأهل يثرب   وأهل الطائف وأهل اليمامة على الشعر، ونبوغهم فيه أقل من إقبال أهل البوادي عليه، بسبب انشغال أهل القرى والحضر عامة بتدبير أمور الحياة، وبالحرف وباستغلال الأرض والمال والتجار يطلعون على أحوال جيرانهم وعلى عوراتهم، ويقفون على أسرار حياتهم في الشعب وفي القرية، فلا يكون للهجاء عندهم لهذا الأثر الذي يكون له عند الأعراب، ولا يكون للمدح عندهم ما يكون له من أثر عند أهل البادية.

ومن هنا نجد دولة الشعر وقد قلّ نفوذها في العالم العربي في هذا اليوم عما كان عليه نفوذها قبل ثلاثين سنة أو أكثر، بسبب التطور الحضاري الذي أخذ يغزو العالم العربي، وهو تطور يقلص من فراغ الإنسان، ويستبد به، جاء له بهموم و بمشاكل نفسية و بأمراض الحضارة التي تريد المزيد من التمتع بمتع الحياة من جنسية ومادية، ليتمتع بها الإنسان في هذه الحياة التي لن يعود إليها مرة ثانية، فصار يفكر في الحصول على المادة جهد طاقته، ولو عن طريق إماتة أعصابه، ليستمتع بأقصى حد ممكن باللذة الحسية، التي صار يراها أنها سبب هذا الوجود، وذلك قبل فواتها منه، بموت يخترمه منها، فزاد الإقبال على المتعة، وعلى رأسها الاستمتاع باللذة الجنسية، وبلذة الشرب والتدخين، وقلّ الإقبال على الاستمتاع باللذات النفسية، وفي جملتها الشعر، فلا تجد اليوم له في أوربة ما كان له من مكانة قبل عشرات السنين، وغلب النثر عليه، وقلّ عدد من كان يحفظ شعر الشعراء الماضين والمعاصرين، وعلى هذا النحو صار حالنا اليوم، فتناقص عدد حفاظ الشعر في النجف مثلا تناقصا كبيراً من حيث العدد والكم، و النجف في الشعر والأدب كوفة العراق بالأمس أيام الأمويين والعباسيين.

فالإعراض الذي لاقاه الشعر في صدر الإسلام، لم يكن بسبب كره الإسلام له، وإنما بسبب التطور الذي طرأ على حياتهم، فغيرها من جميع الوجوه، نتيجة لخروجهم من جزيرتهم، ولاختلاطهم بأمم أعجمية ذات نظم أخرى، ونظرات متباينة مع نظرات العرب إلى مفهوم الحياة.

أما إعراض "لبيد" عن قول الشعر بعد اعتناقه الإسلام، فليس مرده اعتقاده بكره الإسلام للشعر، وإنما هو في رأيي بسبب تقدمه في السن، والإنسان متى تقدم في العمر خفتت مواهبه وبرد إحساسه، ووهنت عواطفه التي تكون متقدمة في أيام المراهقة والشباب، أو قد يكون هذا العامل وعامل آخر، هو سلطان الدين الذي استولى عليه وهو في سن الشيخوخة، بحيث صيره يشعر بوجوب الانصراف نحو العبادة وحفظ ودراسة كتاب الله، ومع ذلك فهناك روايات روت أن معظم شعره الذي فيه تدين وزهد وحث على العمل الصالح، هو شعر قاله في الإسلام، وان ما زعم من أنه ترك الشعر، وانكب كلية على قراءة القرآن زعم غير صحيح.

وأما اعراض "بشار بن عدي بن عمرو بن سويد" الطائي عن الشعر، فيظهر أنه عن وازع نفسي ديني، حمله على التفرغ لدراسة كتاب الله، وعلى الزهد، وقد يكون ذلك بسبب تقدمه في السن. وفي تركه الشعر يقول:

تركت الشعر واستبدلت منه  كتاب الله ليس له شـريك
وودعت المدامة والندامـى  إذا داعى منادي الصبح ديك

وأما إعراض "مالك بن عمير" السلمي عن الشعر، فهو حادث فردي كذلك، لا يعلم مبلغ درجته من الصحة، ومع ذلك، فإن كل من ترك الشعر من الشعراء لا يصل عددهم إلى عشرة، وهم قلة بالنسبة إلى عدد الشعراء المخضرمين الذين استمروا في نظمه في الإسلام.

وأما ما قالوه عن الضعف الذي ألم بشعر "حسان" الذي قاله في الإسلام وعن متانة شعره وجزالته في الجاهلية، فلا يعقل إرجاع سببه إلى الإسلام، فقد اتخذ الرسول "حساناً" شاعراً له، يجبُّ عنه وعن الإسلام المشركين، كما شجع غيره في الردّ على شعراء الشرك، وكان الرسول يستصوب الشعر الصلد الجزل المتين ذا المعاني الجيدة العميقة، ومصدر ضعف "حسان" في شعره في الإسلام، هو بسبب تقدمه في السن، والتقدم في السن-كما سبق أن قلت- يضعف المواهب، ومنها الشاعرية، ويخمل العواطف، فقد كان حسان في جاهليته شاباً ورجلاً، قوي الجسم ككل رجل، متقيد الحس، متألق الحس، متألق العاطفة، ذا شاعرية حساسة ثائرة، يشرب ويلهو ويسمع الغناء ويحضر مجالس الطرب، فلما جاء الإسلام، ودخل فيه مع من دخل، كان قد تقدم في السن، فبرد حسه، وضعف شعره في المعاني التي قالها في الجاهلية، وفي الدروب التي سلكها من دروب الشعر الجاهلي، ولكنه تألق في معان أخرى تنسجم مع عمره ومع المثل التي اعتنقها، فمن ثم صار شعره يختلف عن شعره في الجاهلية. ولم يقع ذلك لحسان وحده، وإنما وقع هذا الحادث لكل شاعر هجم عليه العمر، واستبدت به الأعوام.

ومما وقع للشعر في الإسلام، إن الزعامة انتقلت فيه من البوادي إلى الحواضر، فبعد أن كان شعر الأعراب، بجزالته وبخشونته وبصلادته، هو المقدم عند علماء الشعر ومحبينه، وبعد أن كانت القبائل هي التي تنجب الفحول، صارت الحواضر هي التي تنبت الفحول، لتبدل الزمن، ووقوع تغير في الذوق، ولتغلب الحضارة على البداوة، ولاهتمام الناس بالمعاني، أكثر من اهتمامهم بالشكل وبمظهر القوالب فقل شعر الشعراء الأعراب الفصحاء، ثم انحسر الشعر من موطنه، كما انحسر أكثر سكان البوادي عن بواديهم، ليلحقوا بخير الحضر، وصار الشعر العربي الفصيح من حصة الحضر في هذه الأيام. كما حلت الكوفة ثم "دمشق" ثم بغداد فبقية الحواضر محل "الحيرة" وقصور الغساسنة ومضارب سادات القبائل في استقبال الشعراء وفي الأنعام عليهم بالهدايا والألطاف. ولتغير الذوق بتغير المجتمع، تغير الشعر كذلك، ولا سيما في أيام بني العباس.

وفي شعر المخضرمين شعر قيل في الرسول وفي حوادث الإسلام، وفي الرد على المشركين وتسفيه مقالتهم في دينهم ونيلهم من دين الله، قاله الشعراء بعد دخولهم في السلام. وعلى رأس هؤلاء من ذكرت من شعراء يثرب، يتقدمهم "حسان بن ثابت" شاعر الرسول، الذي كان يستدعيه الرسول في المناسبات ليجيب على شعر الشعراء الوافدين عليه، كالذي كان من أمره مع شاعر وفد "تميم" الزبرقان ابن بدر.

وكان لرد شعراء يثرب على شعراء قريش ومن لف لفهم، أثر كبير في نفوس المشركين. يروى أن النبي قال لحسان بن ثابت: اهجهم، يعني قريشاً، فو الله لهجاؤك عليهم أشد من وقع السهام، في غلس الظلام، اهجهم ومعك جبريل روح القدس.

وقد كان هجاؤه شديداً عليهم، له وقع في نفوسهم أشد من وقع شعر بقية الشعراء عليهم. فقد كان لسانه حاداً قاطعاً، لا سيما إذا ما تناول ناحية الهجاء وما يتعلق منه بالوقائع والأيام والنزاع القديم الذي كان بين أهل مكة ويثرب. فيجيد في ذلك كل الإجادة، ويتفوق بهذه الناحية على شعراء قريش.

وكان حسان وكعب يعارضان شعراء قريش بمثل قولهم بالوقائع والأيام والمآثر ويعيرانهم بالمثالب. وكان عبد الله بن رواحة يعيّرهم بالكفر وينسبهم إلى الكفر، ويعلم انه ليس فيهم شر من الكفر، فكانوا في ذلك الزمان أشد شيء عليهم قول حسان وكعب، وأهون شيء عليهم قول ابن رواحة، فلما أسلموا وفقهوا الإسلام، كان أشد القول عليهم قول ابن رواحة.

وأما شعر شعراء مكة إلى عام الفتح، فكان في إيذاء الرسول والإسلام، وفي هجاء المسلمين، وتمجيد قريش ورثاء من قتل من المشركين وتعظيم أمر الجاهلية وسنة الآباء وما ألفوه عن آبائهم من أمور. وقد حفظت كتب السير والمغازي والتواريخ شيئاً من شعرهم، من النوع الذي لم يتضمن قذعاً شديداً بالإسلام، ولا شتماً عنيفاً وهجاءً غليظاً بالرسول وبالمسلمين.

أما النوع الثاني الذي أفحش فيه أولئك الشعراء، وجاءوا فيه بشتائم وسباب، فقد أنف أصحاب السير والمغازي والتأريخ من روايته، فتركوه، ولو جمع الباقي من شعرهم مع ردّ عليه، لكوّن منه ديواناً ثميناً في المعارضة التي كانت بين المشركين والمسلمين في مبدأ ظهور الإسلام، ولكان سجلاً قيماً لتأريخ ذلك الصراع، وليفية تغلب الإسلام على الشرك. فهو وثائق تأريخية من الدرجة الأولى، على أن يغربل ويفحص فحصاً علمياً للتيقن من درجة صفائه ونقائه بالطبع.

ونوع آخر من أنواع الشعر كان عند المخضرمين، هو شعر القتال. القتال الذي وقع بين المسلمين والمشركين واليهود، إلى أن أنتصر الإسلام. فأختفي صوت الشرك وصوت يهود، وبقي صوت الإسلام وحده، لا يعارضه أحد، ولا يجابهه صوت. فقد كان من عادة العرب، أنهم إذا تقاتلوا أنشدوا شعراً يفتخرون فيه بأنفسهم وبقبيلتهم وبشجاعتهم، ولا سيما حين يخرج فارس لمبارزة فارس آخر، وقد يقف الشعراء في صفوف المحاربين يحرضونهم على القتال والاستبسال.

ونجد في بطون كتب السير والمغازي والتواريخ، نماذج طيبة من هذا الشعر: شعر القتال. قال المحاربون عند خروجهم من صفوف المقاتلين لمقبلهم من سيخرج لمبارزتهم من الجانب الثاني.

وتولدت من هذا النوع من الشعر شعر آخر قيل في معارك الفتوح. في المعارك التي وقعت مع عرب الحيرة، ثم مع الفرس، وفي المعارك التي حدثت بين المسلمين وبين الغساسنة، وبين المسلمين والروم، ثم في الفتوحات الأخرى.

فقد ساهم في هذا القتال شعراء مخضرمون، حاربوا في الجاهلية عند القتال، من التحمس في القتال والاندفاع من الصفوف إلى الأمام لمبارزة من قد يبرز لهم لمقاتلتهم، ومن التغني بالقتال ومبارزة العدو. ونجد في كتب الفتوح والتأريخ والأخبار، نماذج من هذا الشعر. ونجد في شعر "قيس بن مكشوح" المرادي وصفاً ليوم القادسية، وفخراً بسيرة مع جمع من قومه من "صنعاء" إلى وادي القرى فديار كلب، إلى اليرموك، فالشام، ثم القادسية بعد شهر، ثم مقابلته جمع كسرى وأبناء المرازبة، وهجومه على رأس الفرس.

ولو جمعنا هذا الشعر الذي قيل في هذا القتال لكوّنا منه ديواناً، يصور هجرة القبائل العربية من مواطنها إلى البلاد المفتوحة، ويتحدث عن الأبطال الذين ساهموا في جمع هذا الديوان، والملحمة الشعرية التي تروي قصص الفتوح، وما قام به المحاربون الشجعان في حروب الفتح.

وهناك شعراء أسلموا، لكن قلوبهم بقيت على ما كانت عليه قبل الإسلام، من عدم الاهتمام بأمور الدين، فلم يحفلوا بالسلام، ولم يذكروا الرسول، وهم شعراء أهل البادية الأعراب.

وطالما كان يأتي الشعراء إلى "يثرب" على طريقتهم في الجاهلية في إنشاد شعرهم أمام رجل منهم عظيم، مثل ملوك الحيرة أو الغساسنة، أو سادات القبائل. فيقف الشاعر أمام الرسول لينشده شعره الذي أعده لهذه المناسبة، أو ليقول شعراً بالمناسبة.

ولما قدم وفد "تميم"، المدينة، ودخلوا المسجد، وقالوا: "يا محمد، جئناك لنفاخرك، فائذن لشاعرنا وخطيبنا، قال: نعم، أذنت لخطيبكم فليقل، فخطب: "عطارد بن حاجب" فلما انتهى قال الرسول لثابت بن قيس بن شماس، أجبه، فأجابه.

ثم قالوا: يا محمد، ائذن لشاعرنا، فقال: نعم، فقام الزبرقان بن بدر فقال:

نحن الكرام فلا حيٌ يعادلنـا  منّا الملوك وفينا تنصب البيعُ

فلما انتهى منها، أجابه حسان، فحكموا أن خطيب المسلمين أخطب من خطيب تميم، وان شاعر الرسول أشعر من شاعرهم.

وعادة التفاخر في مجالس الملوك وسادات القبائل، وإنشاد الشعر في ذلك، وردّ الشعراء بعضهم على بعض، دفاعاً عن قومهم، من العادات الجاهلية القديمة، التي بقيت في الإسلام كذلك، ولما أخذت الوفود تفد على الرسول بعد فتح مكة، كان في أعضائها من يخطب على طريقتهم في الخطابة، ومنهم من ينشد الشعر، ثم يعلنون إسلامهم، ومنهم من يشترط شروطاً، وكان من بين المسلمين من يتولى الردّ عليهم، وقد يجيبهم الرسول بنفسه.

وقد كره الإسلام من الشعر الجاهلي الشعر الذي يتعرض بالأعراض ويتحرش بعورات الناس، والشعر الذي يهيج الفتن، ويلقى البغضاء بين الإخوة، فيعيدها فتنة جاهلية، ومن هنا جاء النهي عنه في قوله: "لأن يمتلئ جوف الرجل قيحاً يَرِيِه خيرٌ له من أن يمتلئ شعراً"، ولم يأت في عامة الشعر. وآخذ الخلفاء الشعراء الهجائين متى أقذعوا في شعرهم، وتحاملوا فيه على الناس، تحاملاً يغض منهم. وهنا حبس "عمر" الحطيئة، وكان يقف بالمرصاد لمن يفعل فعله في نهش أعراض الناس. ولذلك تخوف المخضرمون في شعرهم من شعر الهجاء واحترسوا فيه امتثالاً للمثل الإسلامية التي تأمر بالابتعاد عن ذكر المثالب والامتناع عن إيذاء الناس، وخوفاً من تأديب الخلفاء لهم إن نهشوا أعراض المسلمين.

والقديم من شعر المخضرمين، و لا سيما شعر المتقدمين منهم في السن، هو استمرار في الواقع للشعر الجاهلي، نظم على طريقة أهل الجاهلية وأساليبهم في نظم الشعر وعلى معانيهم التي كانوا يتطرقون اليها في شعرهم في الغالب، فقد ولدوا في الجاهلية وقضى بعض منهم أكثر سني حياته فيها، ونظموا أكثر شعرهم في تلك الأيام وفي الأحداث التي وقعت فيها. ولذلك صار شعرهم يختلف عن شعر الشعراء الإسلاميين، لأنهم لم يشهدوا الجاهلية ولم يدركوها، وهم من ثم لم يتأثروا بعقليتها كثيراً، ومن هنا يجب علينا أن نوجه لشعر الشعراء المخضرمين المسنين الذين قضوا أكثر أيام حياتهم في الجاهلية عناية خاصة، وأن نقوم بدراسته دراسة نقد دقيقة، إذ نتمكن بها من الوقوف على تطور الشعر الجاهلي ومكانته عند ظهور الإسلام.

ومن الشعراء المخضرمين من لقي الرسول وصحبه ومدحه وروى عنه، ومنهم من صحبه، لكنه لم يرو عنه، ومنهم من لم يره لكنه دخل في الإسلام. وقد ذكر بعض العلماء أسماء الشعراء الذين صحبوا الرسول ورووا عنه، منهم "حسان ابن ثابت"، و"كعب بن مالك"، و "عبد الله بن رواحة"، و "عدي ابن حاتم" الطائي، و "عباس بن مرداس" السلمي، و "أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب"، و "حميد بن ثور" الهلالي، و "أبو الطفيل عامر ابن وائلة"، و "أيمن بن خريم" الأسدي، و "أعشى" بني مازن، و "الأسود بن سريع"، و "الحارث بن هشام"، و "عمرو بن شاس"، و "ضرار بن الأزور"، و "خفاف بن ندبة"، و"لبيد بن ربيعة"، و "ضرار بن الخطاب"، و "عبد الله بن الزبعري"، ولم تكن للبيد، و لا لضرار ولا لابن الزبعري رواية عنه. وكذلك "أبو ذؤيب" الهذلي، و "الشماخ ابن ضرار"، وأخوه "مزرد بن ضرار".

وقد عدّ "ابن سلام" "النابغة" الجعدي، والشماخ بن ضرار، ولبيد، وأبو ذؤيب الهذلي طبقة، وقال: وكان الشماخ أشد متوناً من لبيد، ولبيد أحسن منه منطقاً.

و "النابغة" الجعدي، هو: "أبو ليلى عبد الله بن قيس"، أوطقيس بن عبد الله بن عدس"، وقيل: "حبّان بن قيس"، "حيان بن قيس"، وغير ذلك. قيل له "النابغة"، لأنه كان يقول الشعر ثم تركه في الجاهلية، ثم عاد اليه بعد أن أسلم، فقيل: نبغِ. قيل انه كان قديماً شاعراً مفلقاً طويل العمر في الجاهلية وفي الإسلام"، حتى زعم انه كان أسنّ من النابغة الذبياني، واستدلوا على طول عمره بأبيات زعموا انه قالها هي:

ألا زعمت بنو أسـد بـأنـي  أبو ولد كبير السـن فـانـي
فمن يك سائلاً عني فـإنـي  من الفتـيان أيام الـخـتـان
أتت مائة لعـام ولـدت فـيه  وعشر بعد ذاك وحجـتـان
وقد أبقت صروف الدهر مني  كما أبقت من السيف اليماني

وذكر "السجستاني" في كتاب المعمرين، انه عاش مائتي سنة. وهو القائل: قال "?"

أمامة كم عمرت زمانه  وذبحت من عنز على الأوثان
ولقد شهدت عكاظ قبل محلّهـا  فيها وكنت أعد من الفـتـيان
والمنذر بن محرّق في ملكـه  وشهدت يوم هجائن النعمـان
وعمرت حتى جاء أحمد بالهدى  وقوارع تتلى مـن الـقـرآن
ولبست في الإسلام ثوباً واسعاً  من سبب لا حرم ولا مـنـان

وهو عند الإخباريين أسن من النابغة الذبياني وأكبر، واستدلوا على أنه أكبر من النابغة الذبياني، بأن النابغة الذبياني كان مع النعمان بن المنذر، وكان النعمان ابن المنذر بن محرق. وقد أدرك النابغة الجعديّ المنذرَ بن محرق ونادمه، ولكن النابغة الذبياني مات قبله، وعمّر بعده عمراً طويلاً. ذكر بعضهم أنه عمّر مائة وثمانين وذكر بعضهم أنه عمر أكثر من ذلك حتى ذكر بعض منهم انه عمّر مائتين وعشرين سنة. وذكروا أن "عمر" قال له: كم لبثت مع كل أهل? قال ستين سنة. وأنشده قوله:

لقيت أناساً فأفنـيتـهـم  وأفنيت بعد أناس أناساً
ثلاثة أهلين أفنـيتـهـم  وكان الإلهَ هو المستآسا

وجعل بعضهم عمره "240" سنة، وكان أكثرها في الجاهلية.

وهو من "الفلج" جنوب نجد، وكان يزور بني لخم في الحيرة. وكان شاعراً مغلّباً، ما هاجى قط إلا غلب، هاجى أوس بن مغراء، وليلى الأخيلية، وكعب بن جميل فغلبوه جميعاً. وذكر انه مكث إلى أيام "عبد الله بن الزبير".

وذكروا انه كان يذكر في الجاهلية دين ابراهيم والحنيفية ويصوك ويستغفر. وقال في الجاهلية كلمته التي أولها:

الحمد للهِ لا شريك لـه  من لم يقلها فنفسه ظلما

وفيها ضروب من دلائل التوحيد والإقرار بالبعث والجزاء والجنة والنار وصفة بعض ذلك على نحو شعر أمية بن أبي الصلت، وقد قيل ان هذا الشعر له، ولكنه قد صححه علماء العشر مثل: يونس بن حبيب، وحماد الراوية، ومحمد ابن سلام، وعلي بن سايمان الأخفش للنابغة الجعدي.
وروي انه كان ممن فكر في الجاهلية وأنكر الخمر والسكر وهجر الأزلامَ واجتنب الأوثان وذكر دين ابراهيم.

وذكر ان "النابغة" قدم على "عثمان" يستأذنه في السفر إلى البادية، لأن نفسه اشتاقت اليها، ليشرب من ألبانها، وليشرب من شيح البادية، فقال له عثمان: "أما علمت ان التعرب بعد الهجرة لا يصلح? قال: لا واللهِ ما علمت وما كنت لأخرج حتى أستأذنك، فأذن له، وضرب له أجلاً". ثم دخل على "الحسن بن علي" فودعه، فقال له: أنشدنا من بعض شعرك، فأنشده:

الحمد لله لا شريك لـه  من لم يقلها فنفسه ظلما

فقال: يا أبا ليلى ما كنا نروي هذه الأبيات إلا لأمية بن أبي الصلت? قال: يا ابن بنت رسول الله، والله إني لأول الناس قالها وان السروق من سرق أمية شعره".

وذكر أنه كان من أصحاب "علي" وحارب معه يوم صفين، وله مع "معاوية" أخبار. ومات معمراً بأصبهان سنة "65ه" "684م". وكان معاوية سيره اليها مع "الحرث بن عبد الله بن عوف بن أصرم". وكان ولي اصبهان من قبل علي.

وقد وفد النابغة على النبي وأنشده قصيدته الرائية التي فيها:

أتيت رسول الله إذ جاء بالهدى  ويتلو كتاباً بالمـجـرة نـيرا

إلى أن بلغ قوله:

بلغنا السماء مجدنا وجدودنـا  وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا

فقال رسول الله: إلى أين أبا ليلى? فقال: إلى الجنة. فقال رسول الله: نعم إن شاء الله.
ولما أنشده:

و لا خير في حلم إذا لم تكن له  بوادر تحمي صفوه أن يكـدرا
و لا خير في جهل إذا لم يكن له  حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا

فاستحسنه الرسول وقال: لا يفضض الله فاك. وذكر أن كلمة النابغة هذه قصيد مطوّل نحو مائتي بيت أوله:

خليلي غضـا سـاعة وتـهـجـرا  ولو ما على ما أحدث الدهر أو ذرا

وهو من أحسن ما قيل من الشعر في الفخر بالشجاعة بساطة ونقاوة وجزالة وحلاوة. وقد تعرض فيها بأمور الجاهلية والإسلام.

وأسلم وحسن إسلامه وكان يرد على الخلفاء ورد على عمر ثم على "عثمان".

ويظهر أن القصيدة قد طوّلت على "النابغة" فيما بعد، وإنها لم تكن على هذا النحو من الطول لما أنشدها على الرسول. وقد روى بعض العلماء منها أربعة وعشرين بيتاً، لعلها هي الأبيات التي أنشدها أمام النبي.

وذكر انه كان بالبصرة، فرعت "بنو عامر" في الزرع، فبعث "أبو موسى" الأشعري في طلبهم، فتصارخوا يا آل عامر! فخرج النابغة الجعدي ومعه عصبة له. فضربه أسواطاً. فقال النابغة في ذلك:
رأيت البكر بكر بني ثمـود  وأنت أراك بكر الأشعرينـا
فإن تك لابن عفّـانٍ أمـينـاً  فلم يبعث بك البر الأمـينـا
فيا قبر النبي وصـاحـبـيه  ألا غوثنا لو تسـمـعـونـا
ألا صلى إلهكـم عـلـيكـم  و لا صلى على الأمراء فينا

وقد مدح "النابغة" الجعدي عبد الله بن الزبير، ويظهر انه كان في ضيق. وعسر، إذ يقول فيها:

أتاك أبو ليلى تجوب به الـدجـى  دجى الليل جوّاب الفلاة عرمرم
لتجير منه جانـبـاً دعـدت بـه  صروف الليالي والزمان المصمم

فأعطاه قلائص سبعاً وفرساً وخيلاً، وأوقر له الركاب براً وتمراً وثياباً. ومن جيد شعره قوله:

فتى كملت خيراته غير أنـه  جواد فما يبقى من المال باقيا
فتى تمّ فيه يسـر صـديقـه  على أن فيه ما يسوء الأعاديا

قال العلماء في شعر "النابغة": "خمارُ بوافِ، ومطرف بآلاف. يريدون أن في شعره تفاوتاً، فبعضه جدّ مبرّز وبعضه ردئ ساقط". ونسب إلى "الفرزدق" قوله في النابغة الجعدي: "صاحب خُلقان، يكون عنده مطرف بألف دينار، وخمار بواف".

وقد ذكر "أبو العلاء" المعري قصيدة النابغة التي يقول فيها:

ولقـد أغـدو بـشـرب أنـف  قبل أن يظهر في الأرض ربش

فقال على لسان "النابغة" الجعدي: "ما جعلت الشين قط روياً، وفي هذا الشعر ألفاظ لم أسمع بها قط".

وروى "المعري" له قصيدة، استحسن منها قوله: طيبة النشر، والبداهة، وال  عِلاّت، عند الرُقاد والنسم ومن شعره قوله في "زياد بن الأشهب بن أدد بن عمرو بن ربيعة بن جعدة" العامري الجعدي:

مقام زياد عند باب ابن هاشم  يريد صلاحاً بينكم ويقرب

وكان قد مشى في الصلح بين علي ومعاوية. وكان من أشراف أهل الشام ومن المقربين إلى معاوية.

و"الطفيل بن عمرو بن طريف" الدوسي، من الشعراء الأشراف. كان شاعراً لبيباً. تذكر رواية انه أسلم حين كان الرسول بمكة، وانه لما أتى مكة ذكر ناس من قريش أمر النبي، وسألوه أن يختبر حاله، فأتاه فأنشده من شعره، فتلا النبي الاخلاص والمعوذتين فأسلم في الحال وعاد إلى قومه. وتذكر رواية انه عاد مرة أخرى إلى مكة، ثم عاد إلى قومه حتى هاجر الرسول إلى المدينة، فجاء على رأس وفد من دوس ممن أسلم، فوصل والرسول محاصر "خيبر"، فمكث بالمدينة حتى إذا فتحت مكة، بعثه الرسول إلى "ذي الكفين" صنم "عمرو بن حممة" حتى أحرقه. وقد أورد "المرزباني" شيئاً من شعره.

وأعشى بن مازن، أو الأعشى المازني، هو "عبد الله بن الأعور"، وقيل إن اسم "الأعور" "رؤبة بن فزارة بن غضبان بن حبيب بن سفيان بن مكرز ابن الحرماز بن مالك بن عمرو بن تميم". يكنى "أبا شعيثة". "وقال أهل الحديث: يقولون المازني وإنما هو الحرمازي، وليس في بني مازن أعشى". وذكر انه أتى للنبي فأنشده:

يا مالك الناس وديّان العرب  اني لقيت ذربة من الذرب

وفيه قصة امرأته وهربها. فكتب النبي إلى "مطرف بن نهصل"، وكانت امرأته عنده، أن يعيدها إليه، فأعادها، فقال:

لعمرك ما حبي معاذة بالـذي  يغيره الواشي و لا قدم العهد
و لا سوء ما جاءت به إذ أزلها  غواة رجال إذ ينادونها بعـدي

وذكر صاحب "الاستيعاب"، إن اسم والد "أعشى" مازن، هو"الأطول". وقيل اسم الأطول أو الأعور: "عبد الله".

وروى أن اسمه "عبد بن لبيد" الأعور. وقيل: "الأعور بن قراد بن سفيان". وكان قد خرج في "رجب" يمير أهله من هجر، فهربت امرأته بعده ناشزاً عليه، فعاذت برجل منهم. فجاء "الأعشى" إلى الرسول وعاذ به. وأنشأ يقول قصيدته.
ومن شعره:

يا حكم بن المنذر بن الجـارود  سرادق المجد عليك مـمـدود
أنت الجواد ابن الجواد المحمود  نبتَّ في الجود وفي بيت الجود
والعود قد ينبت في أصل العود
   
و "الحطيئة"، وهو "جرول بن أوس بن مالك بن "حيوة" جؤية بن مخزوم بن مالك" العبسي، ويكنى "أبا مليكة" "من فحول الشعراء ومقدميهم وفصحائهم، وكان ينصرف في جميع فنون الشعر من مدح وهجاء وفخر ونسب ويجيد في جميع ذلك. وكان ذا شر وسفه، وكان إذا غضب على قبيلة انتمى إلى أخرى، زعم مرة انه ابن عمرو بن علقمة من بني الحارث بن سدوس. وانتمى مرة إلى ذهل بن ثعلبة، وأخرى إلى بني عمرو بن عوف. وله في ذلك أخبار مع كل قبيلة وأشعار مذكورة في ديوانه. وكان كثير الهجاء حتى هجا أباه وأمه وأخاه وزوجته ونفسه، وهو مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام. وكان أسلم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ارتد ثم أسر وعاد إلى الإسلام. وكان ملحفاً شديد البخل، لا يقف إلحافه في السؤال عند حد، ولا يخجل من التصريح في الاستكداء وفي إذلال نفسه في الحصول على مال. طاف في الآفاق يمتدح الأمائل ويستجديهم. وقد عدّ في البخلاء. "قيل بخلاء العرب أربعة: الحطيئة، وحميد الأرقط، وأبو الأسود الدؤلي، وخالد بن صفوان". وقيل عنه انه كان "دنيء الطبع، لئيم النفس، كثير الطمع، جعل الشعر متجراً، فكان له من الهجاء معاش ومكسبُ لأن الناس كانوا يهدون له الهدايا خوفاً من شره. فقال الأصمعي: كان الحطيئة جشعاً سؤولاً ملحفاً دنيء النفس، كثير الشر قليل الخير، بخيلاً قبيح المنظر، رث الهيئة مغموز النسب، فاسد الدين، وما تشاء أن تقول في شعر شاعر ما من عيب إلا وجدته فيه، وقلما تجد ذلك في شعره"، كان لا يبالي من هجو من سبق أن مدحه وأثنى عليه، لإغداقه المال عليه، بل يظهر انه كان من ذلك الفريق من الناس المرضى النفوس الذين يسيئون إلى من أحسن إليهم، بل كانوا أول من يسيء إلى من أحسن إليه، لعقدة مستعصية في النفس.

وكان قصير القامة، ولقصره هذا لقب بالحطيئة. وكان ذميماً، قبيح الوجه، سيء الهيئة، ولعل هذه الأمور هي التي صيرته سيء الطبع، هجاءً لكا أحد، فلا يسلم من لسانه أحد. فلما هجا أباه، بأبيات قاسية شديدة منها:

فنعم الشيخ أنت لدى المخازي  وبئس الشيخ أنت لدى المعالي
جمعت الؤم، لا حيّاك ربـي،  وأبواب السفاهة والضـلال

قيل: "كان الحطيئة يرعى غنماً له، وفي يده عصا. فمرَّ به رجلُ فقال: يا راعي الغنم ما عندك? قال: عجراء من سلمٍ. يعني عصاه. قال: إني ضيف. فقال الحطيئة للضيفان أعددتها".
وهجا أمه بشعر موجع منه قوله:

تنحي فاقعدي مني بـعـيداً  أراح الله منك العالمـينـا
ألم أوضح لك البغضاء مني  ولكن لا أخالك تعقلـينـا
أغربالاً إذا استودعت سراً  وكانوناً على المتحدثـينـا
جزاك الله شراً من عجوز  ولقّاك العُقوق من البنينـا
حياتك ما علمت حياةُ سوء  وموتك قد يسر الصالحينا

ثم هجا أخاه وزوجته، فلما لم يبق أمامه أحد سلم من هجائه إلا نفسه، اذ اطلع في حوض فرأى وجهه فقال:

أبت شفتاي اليومَ إلا تكلـمـا  بسوء فما أدري لمن أنا قائله
أرى لي وجهاً شوّه الله خلقه  فقبح من وجه وقبح حاملـه

وقد جعل "المعري" هذا الشعر، سبباً دخل به الجنة، لقوله بالصدق.

وله قصيدة "سينية" مشهورة، هجا فيها "الزبرقان بن بدر"، فسجنه "عمر" عليها، منها قوله:

ملوا قراه، وهرته كـلابـهـم  وجرحوه بـأنـياب وأضـراس
دع المكارم لا ترحل لبغيتـهـا  واقعد، فإنك أنت الطاعم الكاسي

وفيها:

من يفعل الخير لا يعدم جوازيه  لا يذهب العرف بين الله والناس

وقد قال "أبو عمرو بن العلاء" عن هذا البيت: "لم تقل العرب قط بيتاً، أصدق" منه.

وقد حملت دمامة خلقة الحطيئة ورثة هيئته وسوء ملبسه الناس على ازدراء شأنه وعدم الاهتمام به عند حضوره مجلساً لا يعرفه فيه أحد، والى وقوعه في مشاكل معهم. وقد يكون من الصعب عليهم رتق الخرق بعد وقوعه وإصلاح حاله. غير أن منهم من كان يجد سبيلاً إلى ذلك، باسترضائه بتقديم المال له، وهو ما يطلبه، فينسبه ما أصابه من ازدراء وإهمال. وزعم أنه كان مغمور النسب، وأنه كان من أولاد الزنا الذين شرفوا.

وقد غلب الهجاء على طبعه، حتى عدّ من أنبغ الشعراء المتقدمين فيه. وقد ذهب "بروكلمن" إلى أن للهجاء الفضل في بقاء شعر الحطيئة. فالهجاء باب له منفذ واسع إلى العواطف حفظه الأعداء والحساد للنيل ممن قيل بحقهم من أعدائهم وحسادهم، فحفظه الناس جيلاً عن جيل.

ويقال إن "عمر" لما لقي الحطيئة قال له: "كأني بك عند بعض الملوك تغنّيه بأعراض الناس. أي تغني بذمهم وذم أسلافهم في شعرك وثلبهم". ولما هجا "الحطيئة" "الزبرقان بن بدر" استعدى عليه "عمر"، فدعا "حسان بن ثابت" فقال: أتراه هجاه? قال: نعم وسلح عليه فحبسه، فقال وهو في حبسه شعراً يستعطف به "عمر" حتى رق عليه، وشفع له "عمرو بن العاص"، فأطلقه على ألا يهجو أحداً. ويقال انه كتب إلى عمر شعراً يتوسل فيه العفو عنه، وأن يرحم حال أولاده الصغار بذي مرخ، فيه:

ماذا تقول لأفراخ بـذي مـرخٍ  حمر الحواصل لا ماء ولا شجر
ألقيت كاسبهم في قعر مظلـمة  فاغفر عليك سلام الله يا عمـر
أنت الأمين الذي من بعد صاحبه  ألقى اليك مقاليدَ النهى البشـر
لم يؤثروك بها إذ قدموك لـهـا  لكن لأنفسهم كانت بها الـخـير

وإذا صح ما روي من أن الحطيئة لما قدم المدينة، يريد الرسول، أرصدت له قريش العطاء، خوفاً من شره، فيجب أن يكون قدومه قبل عام الفتح، وغلبة المسلمين على المشركين. ولكننا نجد بعض الرواة يشكون في دخوله في الإسلام حياة الرسول. يقول "ابن قتيبة": "ولا أراه أسلم إلا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأني لم أسمع له بذكر فيمن وفد عليه من وفود العرب، إلا أني وجدته يقول في أول خلافة أبي بكر رضي الله عنه حين ارتدت العرب:

أطعنا رسولَ اللهِ إذ كان حاضراً  فيا لهفتي ما بال دين أبي بكـر
أيورثها بكراً إذا مـات بـعـده  فتلك، وبيت الله، قاصمة الظهرِ

وقد يجوز أن يكون أراد بقوله: أطعنا رسول الله، قومه أو العرب. وكيف ما كان فإنه رقيقَ الإسلام، لئيم الطعم".

وقد مدح شعر الحطيئة، فذكر عنه "أبو الفرج الأصبهاني" انه "كان من فحول الشعراء ومقدميهم وفصحائهم. وكان يتصرف في جميع فنون الشعر من مدح وهجاء وفخر ونسيب، ويجيد في جميع ذلك". وقال "الأصمعي": "وما تشاء أن تقول في شعر شاعر ما من عيب إلا وجدته فيه، إلا الحطيئة، فقلما تجد ذلك في شعره". وروي عن "إسحاق الموصلي" قوله: "ما أزعم ان أحداً من الشعراء بعد زهير أشعر من الحطيئة". قال "الجاحظ": وكان الأصمعي يقول: "الحطيئة عبدُ لشعره. عاب شعره حين وجده كله متخيَّراً منتخباً مستوياً، لمكان الصنعة والتلطف، والقيام عليه"، ونسب للأصمعي قوله: "زهير بن أبي سلمى، والحطيئة وأشباههما عبيد الشعر".

وكان "الحطيئة" راوية كعب بن زهير، بل يقال انه كان راوية زهير ابن أبي سلمى. وله ديوان برواية "السكري" عن "محمد بن حبيب"، طبع مراراً. وذكر انه "قال لكعب بن زهير: قد علمت روايتي شعر أهل البيت وانقطاعي، وقد ذهب الفحول غيري وغيرك، فلو قلت شعراً تذكر فيه نفسك وتضعني موضعاً، فإن الناس لأشعاركم أروى. فقال كعب: فمن القوافي شأنها من يحوكهـا  إذا ما ثوى كعب وفوز جرول

وروي "أن أعرابياً وقف على حسان وهو ينشد، فقال له كيف تسمع ? قال ما أسمع بأساً؛ فغضب حسان. فقال له: من أنت ? قال: أبو مليكة. قال: ما كنت قط أهون علىّ منك حتى اكتنيت بامرأة، فما أسمك ? قال: الحطيئة، فأطرق حسان، ثم قال: إمض بسلام".

وذكر بعض الرواة أن "الحطيئة" لما حضرته الوفاة اجتمع إليه قومه فقالوا: يا أبا مليكة، أوصِ. فقال: ويل الشعر من رواية السوء. قالوا أوصِ، يرحمك الله. قال: من الذي يقول:

إذا أنبض الرامون عنها ترنمت  ترنم ثكلى أوجعتها الجـنـائز

قالوا: الشماخ. قال أبلغوا غطفان أنه أشعر العرب. وتستمر الرواية على هذا النوع من طلب قومه منه أن يوصي، و من إجابته أجوبة لا صلة لها بالوصية. حتى انتهت بأنهم حملوه على أتان وجعلوا يذهبون به ويجيئون وهو عليها حتى مات، وهو يقول: لا أحد ألأم مـن حـطـيئة  هجا بنيه وهجا الـمُـريئة , من لؤمه مات على الفريئة  , وروى "ابن قتيبة" القصة على هذا النحو "قيل له حين حضرته الوفاة: أوصِ يا أبا مليكة. فقال: مالي للذكور دون الإناث، فقالوا أن الله لم يأمر بهذا، فقال: لكني آمر به ! ثم قال: ويل للشعر من الرواة السوء، وقيل له: أوصِ للمساكين بشيء: فقال: أوصيهم بالمسألة ما عاشوا، فأنها تجارة لن تبور ! وقيل له: اعتق عبدك يساراً، فقال: اشهدوا انه عبد ما بقي عبسيّ! وقيل له: فلان اليتيم ما توصي له ? فقال: أوصي بأن تأكلوا ماله وتنيكوا أمه ! قالوا: فليس إلا هذا ?! قال: احملوني على حمار فإنه لم يمت عليه كريمٌ، لعلي أنجو ! ثم تمثل:

لكل جديد لـذة غـير أنـنـي  رأيت جديد الموت غير لـذيذ
له خبطة في الخلق ليست بسُكَّر  ولا طعمَ راح يُشتهى ونـبـيذ

ومات مكانه".

وهي قصة لا تخلو من أثر الوضع والصنعة، قيلت على لسانه، لما عرف عنه من اللؤم والبخل والتعرض بالناس. وقد رويت بصور مختلفة.

وقد ذكر "الحطيئة" "سعيد بن العاصي بن سعيد بن العاصي بن أمية"، القرشي الأموي في شعره، وكان سعيد ممن ندبه عثمان لكتابه القرآن. وكان جواداً، ولم ينزع قميصه قط، وكان أسود نحيفاً، وكان يقال له: "عكة العسل"، قال الحطيئة فيه: سعيدٌ فلا يغررك قلة لحمه  تخدد عنه اللحم فهو صليبُ  ومن شعر "الحطيئة" المشهور قوله:

قوم هم الأنف والأذناب غيرهم  ومن يُساوي بأنف الناقة الذنبا
وكان الرجل من "بني أنف الناقة" إذا قيل له: ممن الرجل ? قال: من بني قريع، فلما مدحهم "الحطيئة" بهذا الشعر صار الرجل منهم إذا قيل له: ممن أنت ? قال: من بني أنف الناقة افتخاراً، في قصة سبق أن تحدثت عنها.

ومن جيد شعره قوله:

متى تأتي تعشو إلى ضوء ناره  تجد خير نارٍ عندها خير موقد

والشاعر "كعب بن زهير" هو ابن الشاعر الجاهلي "زهير بن أبي سلمى". فهو شاعر ابن شاعر، وأبو شعراء. فقد كان ولدا "كعب" وهما: "عقبة"، بلغا "أبرق" العراق، وذهب إلى الرسول لما سمع من خبره، فأسلم. فلما بلغ "كعباً" خبر إسلامه، ذمّ أخاه لمفارقته سنة آبائه وأجداده، وخروجه على ما ألف عليه أباه وأمه. بشعر قال فيه:

ألا أبلغا عني بجـيراً رسـالة  على أي شيء أنت منزل ذلكا
على خلق لم تلف أماً ولا أبـاً  عليه ولم تدرك عليه أخاً لكـا
أو: ألا ابلغا عني بـجـيراً رسـالة  على أي شيء ريب غيرك دلكا
على خلق لم تلف أمـاً ولا أبـاً  عليه ولم تدرك عليه أخاً لكـا
سقاك أبو بكـر بـكـأس روية  فأنهلك المأمور منها وعلـكـا

ورويت الأبيات على هذه الصورة أيضاً:

ألا ابلغا عنـي بـجـيراً رسـالةً  فهل لك فيما قلت بالخيف هل لكا
سقيت بكأس عنـد آل مـحـمـد  فأنهلك المأمون منها وعـلّـكـا
فخالفت أسباب الهدى وتبـعـتـه  على أي شيء وَيبَ غيرك دلّكـا

ووردت بصورة أخرى، مما يدل على اختلاف الرواية، ووقوع خطأ في الاستنساخ. وقد لام فيها قومه لدخول أكثرهم في الإسلام، وهجاهم هجاء مرّاً.

فبلغت أبياته رسول الله فأهدر دمه. وكتب بجير بذلك إليه، ويقول له النجاء، ثم كتب إليه انه لا يأتيه أحد مسلماً إلا قبل منه وأسقط ما كان قبل ذلك، ولما انتهى إلى "كعب" قتل "ابن خطل"، قدم المدينة فسأل عن أرق أصحاب النبي، فدل على "أبي بكر"، فأخبره خبره، فمشى "أبو بكر" وكعب على أثره وقد التئم حتى صار بين يدي النبي فقال: رجل يبايعك. فمدّ النبي يده، فمد كعب يده فبايعه وأسفر عن وجهه فأنشده قصيدته التي مطلعها:

بانت سعاد فقلبي اليوم متبول  مُتَّيمُ إثرها لم يجزَ مكبـول

 وهي قصيدته الشهيرة التي طبعت مراراً وشرحت شروحاً كثيرة، وتعدّ من "المشوبات". فكساه النبي بردة له، فاشتراها "معاوية" من ولده بعشرين ألف درهم، وهي التي يلبسها الخلفاء في الأعياد.

وهي قصيدة نظمها على نفس شعراء البادية وطريقتهم في مدح الملوك وسادات القبائل، ولولا الأبيات:

نبئت ان رسول اللهِ أوعدنـي  والعفو عند رسول الله مأمول
مهلاً هداك الذي أعطاك نافلة ال  قرآن فيه مواعيظ وتفـصـيل

والبيت:

إن الرسول لنورُ يستضاء به  مهندُ من سيوف الله مسلول

لقلنا: انه إنما أراد ملكاً أو سيد قبيلة لا نبياً، جاء يعلن دخوله في دينه، واقتناعه بنبوته.

ويذكر علماء الشعر أن "الحطيئة" قال لكعب: قد علمتم روايتي لكم أهلَ البيت وانقطاعي إليكم، فلو قلت شعراً تذكر فيه نفسك ثم تذكرني بعدك، فإن الناس أروى لأشعاركم، فقال:

فمن للقوافي شأنها من يحوكهـا  إذا ما مضى كعب وفوز جرول
كفيتك لا تلقى من الناس واحـداً  تنخّل منها كل مـا يتـنـخّـل
يثقفها حتى تلـين كـعـوبـهـا  فيقصر عنها من يسيء ويعمل

وقد ذكر "ابن قتيبة" هذه الأبيات في أثناء ترجمته "زهيراً" على هذه الصورة:

ومن للقوافي شأنها من يحوكها  إذا ما توى كعب وفوّز جرول
يقولُ فلا يعيا بشيء يقـولـه  ومن قائليها من يُسيء ويعمل
يقومها حتى تلين مـتـونـهـا  فيقصر عنها كل ما يتمـثـل
كفيتك لا تلقى من الناس شاعراً  تنخّل منها مثل ما أتـنـخـل

"قيل لخلف الأحمر: زهير أشعر أم ابنه كعب، قال: لولا أبيات لزهير أكبرها الناسُ لقلت ان كعباً أشعر منه".

وكان لكعب ابن يقال له: "عقبة بن كعب"، شاعرُ، وولد لعقبة العوّام، وهو شاعر كذلك. فنحن إذن أمام بيت توارث نظم الشعر.

وقد جمع علماء الشعر شعر "كعب" في ديوان، كما شرحوا وفسروا قصيدة "بانت سعاد" التي نالت عندهم مكانة كبيرة، لأنها قيلت في مدح الرسول، ولتقدير الرسول لها وإعطائه البردة، تقديراً لقيمتها، حتى عرفت بقصيدة البردة، فصارت من أشهر أشعار العرب، التي يتغنى بها في المناسبات، حتى تفنن المغنون في غنائها، وخلدت اسم الشاعر حتى اليوم. وقد ترجمت إلى عدة لغات أعجمية. وشطرت وخمست، لما صار لها من مكانة في أعين الشعراء.

ومن الشعراء المخضرمين: "العبّاس بن مرداس" من "بني سليم"، وأمه "الخنساء". أسلم قبل فتح مكة بيسير. ولما فرغ الرسول من ردّ سبايا "حنين" إلى أهلها، أعطى المؤلفة قلوبهم، وكانوا أشرافاً ويتألف بهم قومهم، فأعطى أبا سفيان وابنه معاوية، وحكيم بن حزام، والحارث بن كلدة، والحارث ابن هشام، وسهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العُزّى، وصفوان بن أمية، وكل هؤلاء من أشراف قريش، والأقرع بن حابس بن عنان بن محمد بن سفيان المجاشعي التميمي، وعيينة بن حصن الفزاري، ومالك بن عوف النصري، أعطى كل واحد من هؤلاء مائة بعير، وأعطى دون المائة رجالاً من قريش، وأعطى العباس بن مرداس دون المائة، أو أباعر، فسخطها، وقام بين يدي الرسول يعاتبه، فقال: أتجعل نَهبي ونهبَ العبيد بين عيينة والأقرع 
وأبياتاً أخرى. فلما أنشد هذه الأبيات بين يديه، قال: اقطعوا عني لسانه، فأعطي حتى رضي. وقيل أعطي مائة.

ورويت الأبيات على هذه الصورة:

كانـت نـهـابـاً تـلافَـــيٌتُـــهـــا  وكـرّى عـلـى الـقـوم بـالأجـــرع
وحـثـى الـجـنـود لـكـي يدلـجــوا  إذا هـجـع الـقـومُ لـم أهــجـــع
فأصبح نهبي ونهب العُبَيٌد بين عيينه والأقرع
إلا أفائل أعطيتها  عديد قـــوائمـــه الأربـــــــع
ومـا كـان بـــدر ولا حـــابـــسُ  يفـوقـان مـرداسَ فـي الـمـجـمــع
وقـد كـنـت فـي الـحـرب ذا تُــدٌرأ  فلـم أعـط شـيئاً ولــم أمـــنـــع
ومـا كـنـت دون امـرئٍ مـنـهـمــا  ومـن تـضـع الـيومَ لا تـــرفـــع

ولما بلغ زوجة العباس بن مرداس نبأ إسلامه، قالت:

لعـمـري لـئن تـابـعـتَ دين مـــحـــمـــد  وفـارقـت إخـوان الـصـفـا والـصـــنـــائع
لبدلّتَ تلك النفس ذلاً بعزةغداة اختلاف المُرهفات القواطع

ومن شعره قصيدته:

لأسماء رسم أصبح اليوم دارساً  وأقفر إلا رحرحان وراكسـا

وتعدّ من "المنصفات".

وروي أن "حرب بن أمية" جدّ معاوية لما انصرف من حرب عكاظ هو وإخوته مرّ بالقرية، وهي إذ ذاك غيضة شجر ملتف لا يرام، فقال له "مرداس" والد العبّاس: أما ترى هذا الموضع! قال: بلى فما له? قال " نعم المزدرع هو، فهل لك أن تكون شريكي فيه، ونحرق هذه الغيضة ثم نزرعه بعد ذلك? قال: نعم. فأضرما النار في الغيضة، فلما استطارت وعلا لهبها سمع من الغيضة أنيناً وضجيجاً، ثم ظهرت منها حيّات بيض تطير وخرجت منها. ولم يلبث حرب ومرداس أن ماتا: فأما مرداس فدفن بالقرية، ثم ادعاها بعد ذلك "كليب بن أبي عهمة" الظفري، فقال في ذلك عباس بن مرداس:

أكليب مالك كل يوم ظالمـا  والظلم أنكد وجهه ملعـون
عجباً لقومك يحسبونك سـيداً  وإخال إنك سـيد مـعـيون
فإذا رجعت إلى نسائك فادّهن  إن المسالم رأسه مـدهـون
وأفعل بقومك ما أراد بـوائل  يوم الغدير سميّك المطعون
وكان للعباس ولد اسمه "جاهمة" أسلم وصحب النبي.

وكان "زيد الخيل بن مهلهل بن زيد" الطائي ممن وفد على رسول الله سنة تسع، فسماه النبي: "زيد الخير". وكان شاعراً خطيباً شجاعاً يكنى "أبا مكنف". وأمه من "كليب". وكان أحد شعراء الجاهلية وفرسانهم المعدودين، وكان جسيماً طويلاً. مات "زيد الخيل" منصرفه من عند النبي، وقيل في خلافة عمر.

ذكر انه مر بغلام، فسأله من أنت? قال: أنا بجير بن زهير، فحمله على ناقة، ثم أرسل به إلى أبيه. فأراد "زهير بن أبي سلمى" والد الغلام إثابته، فأرسل اليه فرس ابنه "كعب" وكانت من جياد خيل العرب، فاستاء "كعب" من ذلك، وقال شعراً ليوقع بين قوم "زهير" وبين قوم "زيد الخيل"، وهجا زيداً.

وكان لزيد الخيل ابنان، يقال لهما مكنف وحريث، أسلما وصحبا النبي وشهدا قتال "الردة" مع "خالد بن الوليد". وحماد الراوية مولى "مكنف". ولحريث شعر في رثاء "أوس بن خالد"، وكان قد قتل في حرب.

وكان "مكنف" أكبر ولد أبيه، وبه كان يكنى. وأسلم وحسن إسلامه، وشهد قتال أهل الردّة مع "خالد بن الوليد". وكان أسلم هو وأخوه "حريث ابن زيد الخيل" ويقال له أيضاً "الحارث"، وصحبا النبي. وشهدا قتال أهل الردة مع "خالد" واشترك "مكنف" في قتال "بني أسد" لما ارتدوا مع "طليحة" الأسدي. ونسبت له هذه الأبيات في قتال طليحة:

ضلوا وغرهم طليحة بالمـنـى  كذباً وداعي ربـنـا لا يكـذب
لما رأونا بالفضـاء كـتـائبـاً  يدعو إلى رب الرسول ويرغب
ولّوا فراراً والرماح تـؤزهـم  وبكل وجه وجهوا نـتـرقـب

و"حميد بن ثور بن حزن" الهلالي، من الشعراء المخضرمين الفصحاء، وكان كل من هاجاه غلبه. وقد وفد على النبي، فأنشده شعراً فيه:

أصبح قلبي من سليمي مقصداً  إن خطأ منها وإن تعـمـدا
حتى أتيت المصطفى محمـداّ  يتلو من الله كتاباً مـرشـدا

وذكر أنه كان في عداد الصحابة الذين رووا عن الرسول، وضعفه بعضهم. قيل إنه عاش إلى خلافة عثمان. وذكر بعض العلماء أنه عاش إلى ما بعد ذلك، وأنه دخل على بعض خلفاء بني أمية، فقال له: ما جاء بك? فقال: أتاك بي الله الذي فوق من ترى  وبرّك معروف علـيك دلـيل
وقد عدّه "ابن قتيبة" في الإسلاميين.

و"الأسود بن سريع بن حمير بن عبادة" التميمي السعدي، ممن رأى الرسول وغزا معه وروى عنه. وكان شاعراً توفى في أيام "معاوية"، وذكر أنه توفى سنة "42 ه". وقيل فقد يوم الجمل، وقيل ركب سفينة وحمل معه أهله وعياله، لما قتل "عثمان"، فما رؤي بعد. وكان قاصاً، قيل إنه كان أول من قص في مسجد البصرة.

وكان "ضرار بن الأزور بن مرداس" الأسدي، فارساً شجاعاً وشاعراً مطبوعاً، استشهد يوم اليمامة، وقيل بعد ذلك. وقد أنى النبي فأنشده:

خلعت القداح وعزف الـقـيا  ن والخمر أشربها والثـمـالا
وكرى المجبر فـي غـمـرة  وجهدي على المشركين القتالا
وقالـت جـمـيلة بـددتـنـا  وطرحت أهلك شتى شمـالا
فيا ربّ لا أغبنـن صـفـقة  فقد بعت أهلي ومالي بـدالا

ولضرار قصيدة قالها في يوم الردة، لما بلغه ارتداد قومه من "بني أسد"، منها:   

بني أسد قد ساءني ما صنعتـم  وليس لقومٍ حاربوا الله محرم
وأعلم حقاً انكم قـد غـويتـم  بني أسد فاستأخروا أو تقدموا
نهيتكم أن تنهبوا صدقـاتـكـم  وقلتُ لكم: يا آل ثعلبة اعلموا
عصيتم ذوي أحلامكم وأطعتـم  ضجيعاً وأمر ابن اللقيطة أشأم
وقد بعثوا وفداً إلى أهل دومة  فقبح من وفد ومـن يتـيمـم
ولو سئلت عنا جنوب لخبـرت  عشية سالت عقرباء بها الـدم

وضجيم هو "طلحة بن خويلد"، وكانت أمه حميرية أخيذة، وابن اللقيطة: "عيينة بن حصن"، وقوله: يا آل ثعلبة، أراد ثعلبة الحلاف بن دودان بن أسد. وعقرباء بأرض اليمامة. وكان "عيينة" قد انضم إلى "طلحة" الذي تسمية الموارد "طليحة" استصغاراً لشأنه، كما دعت "مسلمة" "مسيلمة"، وقال: "والله لأن نتبع نبياً من الحليفين أحب الينا من أن نتبع نبياً من قريش؛ وقد مات محمد، وبقي "طليحة"، وقاتل معه حتى هرب. وكان يدير المعركة وهو متلفف في كساء له بفناء بيت له من شعر، يتنبأ لهم، والناس يقتتلون، حتى جاءه الوحي بقوله: "ان لك رحا كرحاه، وحديثاً لا تنساه"، ثم لم يصمد، فهرب.

وضرار هو الذي قتل "مالك بن نويرة" بأمر "خالد بن الوليد".

وكان "هوذة بن علي" الحنفي شاعراًوخطيباً، ذكر أنه كتب إلى الرسول كتاباً يقول فيه: "ما أحسن ما تدعو اليه وأجمله، وأنا شاعر قومي وخطيبهم، والعرب تهاب مكاني، فاجعل لي بعض الأمر أتبعك". وقد مات عام الفتح. وهو شاعر يجب إدخاله في الجاهليين، لأنه لم يعتنق الإسلام، وقد تحدثت عنه هنا، لأنه من المتأخرين، وله خبر مع الرسول.

و"فروة بن مسيك بن الحارث بن سلمة" المرادي، شاعر، وهو صحابي مخضرم. وكان من أشراف قومه، قدم على رسول الله، مفارقاً لملوك كندة، فبايعه، ونزل على "سعد بن عبادة"، فكان يحضر مجلس رسول الله، ويتعلم القرآن وفرائض الإسلام. ثم استعمله الرسول على مراد وزبيد ومذحج كلها، وكتب معه كتاباً إلى الأبناء باليمن يدعوهم إلى الإسلام، فأقم فيهم حتى نوفي رسول الله. وذكر أن النبي، أجاز "فروة" باثني عشر أوقية، وحمله على بعير نجيب وأعطاه حلة من نسج عمان. واستعمله "عمر"-كما جاء في رواية- على صدقات مذحج.

وقد جمع شعر "فروة" في ديوان، رجع "السيوطي" اليه، ونقل منه.

و"عمر بن معدي كرب" الزبيدي من أشراف اليمن وساداتهم، وقد اشتهر وعرف بالشجاعة، قال عنه "أبو عمرو بن العلاء: لا يفضل عليه فارس في العرب". وكان فحلاً في الشجاعة والشعر. وأكثر شعره في الحماسة. وقد اشتهر بسيفه "الصمصامة"، والأرجح انه شهد "القادسية"، وكان له أثر فيها. واختلف في صحبته للنبي، فمن العلماء من ذكر انه لم يلق الرسول، وإنما قدم المدينة بعد وفاته، ومنهم من ذكر انه قدم المدينة في وفد ?زبيد"، فأسلم سنة تسع أو عشر، وصحب الرسول. و لا تخلو أقوال الرواة فيه من أثر العصبية لليمن أو عليها، وقد اختلف في عمره، وأكثرهم انه مات بعد أن تجاوز المائة، ومنهم من جعل عمره فوق المائة والخمسين. وهو ابن خالة "الزبرقان بن بدر" التميمي، وأخته "ريحانة بنت معدي كرب" والدة "دريد بن الصمة"، و "عبد الله ابن الصمة". وكانت تحت "الصمة بن الحارث".

وورد في بعض الروايات، أنه قدم على رسول الله المدينة فأسلم، ثم أرتد بعد وفاته فيمن ارتد باليمن، ثم عاد إلى المدينة فشهد اليرموك ثم هاجر إلى العراق فأسلم، وشهد القادسية، وله بها أثره وبلاؤه، وشهد مع النعمان بن مقرّن المزني فتح نهاوند، فقتل هنالك، مع النعمان وطليحة بن خويلد، فقبورهم بموضع يقال له: "الاسفيذهان".
ومن شعره الذي يتمثل به، قوله:

إذا لم تستطع شيئاً فدعه  وجاوره إلى ما تستطيع
 
وقوله:

أريد حباءه ويريد قتـلـي  عذيرك من خليك من مراد

وتمثل به علي بن أبي طالب، لما رأى عبد الرحمان بن ملجم المرادي.

ولعمرو بن معد يكرب، ديوان برواية "أبي عمرو الشيباني" رآه "ابن حجر" وقال عنه "ورأيت في ديوانه رواية أبي عمرو الشيباني من نسخة فيها خط أبي الفتح بن جني قصيدة يقول فيها:

والقادسية حين زاحم رستم  كنّا الكماة نهز كالاسطان
ومضى ربيع بالجنود مشرقاً  ينوي الجهاد وطاعة الرحمن

وأورد "ابن حجر" له أشعاراً أخرى.

ونجد لعمرو بن معدي كرب شعراً في وصف الحرب، ذكر أن "عمر" سأله: "أخبرني عن الحرب"، فقال: هي كما قال الشاعر:

الحرب أول ما تكـون فـتـيةً  تسعى بزينتها لكـل جـهـول
حتى إذا استعرت وشبّ ضرامها  عادت عجوزاً غير ذات حلـيل
شمطاء جزّت رأسها وتنكـرت  مكروهة للضم والـتـقـبـيل
وهي في بعض الروايات من شعره.

ومن شعر "عمرو بن معدي كرب" قوله:

سوى أنّ أصواباً باعـقـق لـم يزل  بها آنسُ من أهلهـا غـير بـارح
وجدنا به العَمٌرين عمرُ بـن عُـدية  وعمرو بن عمرو في حلال سُلاطح
وجدنا بني عمرو ثمانـين فـارسـاً  لكل صباحٍ كاشر الـنـاب كـالـح
وكان الغدانيون تحـت رمـاحـهـم  رماح بني عمرو غداة المصـابـح
مصافين أصهاراً ورحمـاً وجـيرزة  وما كان فيهم فارس غير جـامـح

وقوله:

وجدّك مخصيّ على الوجه ناعسُ  تشير به الركبان ما قام أفـرع

وله أشعار قالها في حروبه في العراق مع جيش الفتح.

و"ساعدة بن جؤية" "ساعدة بن جؤين" "جؤية"، هو من الشعراء المخضرمين. أدرك الجاهلية والاسلام، وأسلم. وليست له صحبة. قيل عن شعره انه محشو بالغريب والمعاني الغامضة. وهو شاعر من شعراء مضر، محسن، قيل عن شعره انه ليس فيه من الملح ما يصلح للمذاكرة.

و "أبو ذؤيب" "خويلد بن خالد بن محرّث"، شاعر مخضرم، مجيد. وهو من "هذيل". رحل إلى المدينة، فوصلها والرسول مسجى، فكان ممن صلى عليه وشهد دفنه. "سئل حسان من أشعر الناس ?فقال حياً أم رجلاً ? قالوا حياً، قال: هذيل، وأشعر هذيل غير مدافع أبو ذؤيب. وتقدم أبو ذؤيب على جميع شعراء هذيل بقصيدته العينية التي أولها: أمن المنون وريبها تتوجع"، التي يرثي بها بنيه

وقد قال عنه بعض المؤرخين انه شاعر مجيد مخضرم كان أشعر هذيل، وهذيل أشعر أحياء العرب. وقال المرزباني عنه: كان فصيحاً كثير الغريب متمكناً في الشعر في إسلامه. هلك في زمان عثمان وقيل في زمن "عمر".
وكان راوية لساعدة بن جؤية الهذلي.

وتعدّ قصيدته المذكورة التي قالها في رثاء بنيه الخمسة أو الثمانية الذين قتلوا أو هلكوا بالطاعون في عام واحد، من أجود شعره، وهي قصيدة تفيض بالأسى والحنان على بنيه الذين ترك فراقهم أسى وحسرة في قلبه. وأولها:

أمن المنون وريبها تتـوجـع  والدهر ليس بمتعب من يجزع
 
ومن أبياتها الجيدة:

وإذا المنّية أنشبت أظفارها  ألفيتَ كل تميمة لا تنفـع

وقد وصف فيها حاله، وكيف أن جسمه صار شاحباً من الوجد على ما حل ببنيه، وكيف أنه صار لا يعرف طعم الراحة و لا النوم، حتى صار يعيش ناصب، يخال نفسه إنه لاحق بهم مستتبع، ولقد حرص بأن يدافع عنهم، ولكن المنيّة متى أقبلت فلا دافع لها:

ولقد حرصت بأن أدافع عنهم  وإذا المنيّة أقبلت لا تدفـع
وإذا المنيّة أنبشت أظفارهـا  الفيت كل تميمة لا تنـفـع

ولأبي ذؤيب شعر في رثاء الرسول وردت أبيات منها في "الاستيعاب". وقد اختلف في المكان الذي توفي به هذا الشاعر، كما اختلف في سنة وفاته. وقد طبع ديوانه. وكان أبو ذؤيب، شاعراً فحلاً، لا غميزة فيه ولا وهن. ومن شعره في رثاء الرسول قوله:

لما رأيت الناس في عسلانهم  من بين ملحود له ومضرح
متبادرين لشرجع بأكفهم=نص الرقاب لفقد أبيض أروح
فهناك صرتُ إلى الهموم ومن بيت  جار الهموم يبيت غـير مـروح
كسفت لمصرعه النجوم وبدرهـا  وتزعزعت آطام بطن الأبـطـح
وتزعزعت أجيال يثرب كـلـهـا  ونخيلها لحلول خطـب مـفـدح
ولقد زجرتُ الطير قبل وفـاتـه  بمصابة وزجرت سعـد الأذبـح

وكان لأبي ذؤيب ابن يقال له "مازن بن خويلد"، ويكنى أبا الشهباء، وهو أحد شعراء هذيل.

و"أبو خِراش"، "خويلد بم مرة الهذلي" من شعراء هذيل، وهو شاعر مشهور، أدرك الإسلام شيخاً كبيراً ووفد على "عمر" و في أيامه كانت وفاته. وكان من الفصحاء. يقال إنه كان سريع الجري. دخل مكة في الجاهلية، وللوليد بن المغيرة فرسان، فقال: ما تجعل لي إن سبقتهما عدواً ? قال: إن فعلت فهما لك، فسبقهما. يقال إن ضيوفاً من اليمن نزلوا عليه، فذهب يستقي الماء فنهشته حية، فأقبل مسرعاً حتى أعطاهم الماء، ولم يعلمهم ما أصابه. فباتوا يأكلون، فلما أصبحوا وجدوه في الموت، فأقاموا حتى دفنوه. فبلغ عمر خبره، فكتب إلى عامله أن يأخذ النفر الذين نزلوا بأبي خراش فيغرمهم ديته.

ومن شعره:

لا هم هذا رابع إن تمّا  أتمه الله وقـد أتـمـا
إن تغفر اللهم تغفر جمّا  وأي عبد لك لا ألمّـا

قاله وهو يسعى بين الصفا والمروة، وثم شجر يومئذ.

ولأبي خراش أخ يقال له: "عروة بن مرة"، من شعراء هذيل المعدودين، وأخ آخر اسمه "أبو جندب بن مرة"، أحد شعراء هذيل المعدودين أيضاً.

و "صخر" الغي، هو "صخر بن عبد الله" الخيثمي الهذلي، من شعراء الخلاعة، وقد عرف بشدة بأسه وكثرة شره، وله صاحبة اسمها "دهماء". وقد ذكرها في قصيدته:

إني بدهماء عزّ ما أجـدُ  يعتادني من حبابهـا زؤد
عاودني حبها وقد شحطت  صرف نواياها فأنني كمد
 
وهو على رأي "المرزباني" من المخضرمين.

و "النمر بن تولب بن زهير بن أقيش"، شاعر مخضرم، يكنى "أبا ربيعة" ويسمى "الكيّس"، أدرك الإسلام وهو كبير، وهو من "الصحابة". وهو من "بني عكل". وصف بأنه جواداً واسع القرى، كثير الأضياف، وهّابا لماله. وانه كان أفتى الشعراء، شاعراً فصيحاً جريئاً على المنطق. قال عنه "المرزباني": "كان شاعراً فصيحاً، وفد على النبي صلى الله عليه وسلم، وكتب له النبي صلى الله عليه وسلم كتاباً، ونزل البصرة بعد ذلك. وكان أبو عمرو بن العلاء يسميه الكيّس لجودة شعره وكثرة أمثاله. وكان جواداً وعمر طويلاً حتى أنكر عقله، فيقال انه عمر مائتي سنة. وهو القائل:

يحب الفتى طول السلامة جاهداً  فكيف يرى طول السلامة يفعل

وله شعر يخاطب به النبي منه:

إنّا أتيناك وقد طال السفر=أقود خيلاً وجعا فيها ضرر

وفرق "ابن حزم" بين "النمر بن تولب بن أقيش" العكلي، وبين "النمر بن تولب" و بين "النمر بن قاسط". و قال إنه الذي عاش حتى خرف. و يقال إن للنمر بن تولب العكلي ابناً يقال له "ربيعة" هاجر إلى الكوفة.

وكان "النمر" شاعر الرباب في الجاهلية، ولم يمدح أحداً ولا هجا، واستحسن من شعره قوله:

تدارك ما قبل الشباب وبـعـده  حوادث أيام تـمـر وأغـفـل
يود الفتى طول السلامة والغنى  فكيف يرى طول السلامة يفعل
يرد الفتى بعد اعتدال وصـحة  ينوء إذا رام القـيام ويحـمـل

ومن الشعر المنسوب اليه قوله:

خاطر بنفسك تنال رغـيبةً  إنّ القعود مع العيال قبيح
إن المخاطر مسالكٌ أوهالك  والجدّ يجدي مرة فـيريح

وقوله:

ومتى تصبك خصاصةٌ فارجُ الغنى=وإلى الذي يهب الرغائب فارغب
لا تغضبن على امرئ في مالـه  وعلى كرائم أصل مالك فاغضبِ

وقد تعرض "النمر بن تولب" في شغره إلى قصة "زرقاء" اليمامة وجديس، والى قصة غزو "تبع" لجديس واستباحته اليمامة. وقد ورد ذكر "عادياء" في شعره بقوله:

هلا سألتِ بعـادياء و بـيتـه  و الخيل و الخمر التي لم تمنع

وفي شعره قصص عن "لقمان" وعن "لقيم بن لقمان" من أخته، ويظهر أنه كان من الأشخاص الذين كانوا يهتمون بالقصص والحكايات المروية عن الجاهليين، فأدبج شيئاً منه في شعره.

و"الخنساء بنت عمرو بن الشريد بن رياح بن ثعلبة بن عُصية بن خفاف ابن امرئ القيس بن بهثة بن سليم "السلمية، واسمها "تماضر"، ممن أدركن الإسلام. وقد أسلمت فعدّت صحابية. و "الخنساء" لقبها، قدمت على رسول الله مع قومها فأسلمت. وذكر ان الرسول كان يستنشدها ويعجبه شعرها.

"وأجمع أهل العلم بالشعر على انه لم يكن امرأة قبلها ولا بعدها أشعر منها. وكانت اول أمرها تقول البيتين والثلاثة حتى قتل أخوها معاوية ثم أخوها صخر، فأكثرت من الشعر وأجادت". وهي أم الشاعر "العباس بن مرداس"، وأم اخوته الثلاثة وكلهم شاعر. ولم تلد إلا شاعراً، وذكر "الكلبي" ان أم ولد "مرداس" جميعاً الخنساء، إلا العباس، فإنها ليست أمه، و لم يذكر من أمه. غير ان "أبا الفرج الأصبهاني" ذكر انها أمه. وكان النبي يعجبه شعرها ويستنجدها و يقول هيه يا خناس ويومئ بيده.

روي انها تقول الشعر في زمن النابغة الذبياني، وكان النابغة تضرب له قبة حمراء من أدم عكاظ، وتأتيه الشعراء فتعرض عليه أشعارها، وكانت "الخنساء" ممن أنشدته شعرها، ويقال انه لما سمع شعرها، قال: "والله ما رأيت ذات مثانة أشعر منك، فقالت له الخنساء: والله و لا ذا خصيين".

ومن جيد شعرها، قولها في "صخر" أخيها:

لا بد من ميتة في صرفها غـير  والدهر من شأنه حول واضرار
وان صخراً لتأتم الـهـداة بـه  كأنه علـم فـي رأسـه نـار

وذكر أنها كانت سوّمت هودجها براية في الموسم، وعاظمت العرب بمصيبتها بابنها "عمرو" وبأخويها صخر ومعاوية، وجعلت تشهد الموسم وتبكيهم، وا، هنداً ابنة عتبة لما قتل ببدر أبوها وعمّها شيبة و أخوها الوليد فعلت كذلك وقالت: اقرنوا جملي بجمل الخنساء، فصارتا تبكيان وتتناشدان.

وروي أن الرسول كان يستحسن قول الخنساء في صخر أخيها:

لا بد من ميتةٍ في صرافها غير  والدهر من شأنه حولٌ وإضرارُ
وإن صخراً لتأتم الهداة به كأنه=علم في رأسه نار

 وذكر أنها زارت "عائشة" و تحدثت معها.

وروي أنها حضرت حرب القادسية ومعها بنوها أربعة رجال، فحثتهم على القتال والاستماتة فقتلوا جميعاً، فقالت الحمد لله الذي شرفني بقتلهم. وكان "عمر" أمر أن تعطى الخنساء أرزاق أولادها الأربعة حتى توفي، وله قصة معها، وذكر أنه لما طلب منها أن تكف عن البكاء، قال لها: "ما الذي أقرح ما في عينيك ? قالت: البكاء على سادات مضر، قال إنهم هلكوا في الجاهلية، وهم أعضاد اللهب وحشو جهنم. قالت: فداك أبي وأمي فذاك الذي زادني وجعاً". ثم طلب منها أن تنشده من شعرها، فأنشدته:

سقى جدثاً أعراق غمرة دونه  وبيشة ديمات الربيع ووابله

و"خفاف بن ندبة"، هو "خفاف بن عُمير بن الحارث بن الشريد بن رياح بن يقظة بن عصية" ويكنى أبا خراشة، وهو ابن عم الخنساء و "ندبة" أمه. وهو شاعر مشهور من المخضرمين، وله شعر يمدح به "أبا بكر"، وبقي إلى زمن "عمر"، وكان أسود حالكاً. شهد الفتح وكان معه لواء "بني سليم"، وذكر "الأصمعي"، انه و دريد أشعر الفرسان. وله يقول: العباس بن مرداس: أبا خراشة أما أنت ذا نفـر  فإن قومي لم تأكلهم الضبع 
ويعدّ من فرسان قيس وشعرائها المذكورين.

وضابئ بن الحارث بن أرطاة البرجمي، وسويد بن كراع العكلي، والحويدرة الذبياني، وأسمه قطبة بن أوس بن محصن بن جرول، وسُحيم عبد بني الحسحاس الأسدين، من طبقة واحدة، تكون الطبقة التاسعة في "طبقات الشعراء"، لابن سلام. وكان "ضابئ"، رجلاً بذياً كثير الشر، وكان بالمدينة، صاحب صيد وصاحب خيل، وقد حبسه عثمان، وبقي في سجنه حتى مات.
و"سحيم" عبد بني الحسحاس، شاعر مشهور مخضرم، أدرك النبي، وتمثل النبي بشيء من شعره. وكان عبداً أسود شديد السواد أعجمياً. وذكر ان اسم "عبد بني الحسحاس" "حميمة"، وقيل "سُحيم"، وانه شبب بنساء قومه، ثم بنت سيده فقتله سيده. وقيل ان قتله كان في خلافة عثمان. وله ديوان مطبوع. وورد ان "عمر" أمر بقتله لأبيات فاحشة. وذكر انه حُفر له أخدود وضع فيه وألقى عليه الحطب ثم أحرق. وورد ان "عمر" استنشده شعره، وانه أنشده قصيدته:

ودع سليمي إن تجهـزت غـاديا  كفى الشيب والاسلام للمرء ناهيا

وكان سحيم حبشياً معلّطاً قبيحاً، وهو القائل في نفسه:

أتيت نساء الحارثيين غـدوة  بوجه براه الله غير جمـيل
فشبهني كلباً ولستُ بفوقـه  و لا دونه إن كان غير قليل
 
اشتراه "عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي"، وكتب إلى "عثمان": "إني قد اشتريت لك غلاماً حبشياً شاعراً، فكتب اليه عثمان: لا حاجة بنا اليه، فاردده، فإنما حظ أهل العبد الشاعر منه إذا شبع أن يشبب بنسائهم، وإذا جاع أن يهجوهم". "ويقال سمعه عمر بن الخطاب ينشد:

ولقد تحدر من كريمة بعضهـم  عرقٌ على جنب الفراشِ وطيب
 
فقال له "إنك مقتول، فسقوه الخمر ثم عرضوا عليه نسوة، فلما مرّت به التي كان يتهم بها أهوى اليها، فقتلوه"، إلى غير ذلك من قصص.

و"سحيم بن وثيل بن أعيقر بن أبي عمرو بن إهاب بن حميري" الرياحي، شاعر مخضرم، تفاخر هو وغالب بن صعصعة والد الفرزدق، فتناحروا الإبل. وقد وصف بأنه خنذيذ شريف مشهور الذكر في الجاهلية والإسلام. وله قصيدة مطلعها:

أنا ابن جلا وطلاّع الثـنـايا  متى أضع العمامة تعرفوني
وماذا يدرك الشعراء منـي  وقد جاوزت حدّ الأربعـين

و"ربيعة بن مقروم بن قيس بن جابر بن خالد" الضبي، أحد الشعراء المخضرمين. وكان أحد شعراء مضر. ذكر أنه وفد على كسرى في الجاهلية، ثم عاش إلى أن أسلم. "وذكره دعبل في طبقات الشعراء، وقال مخضرم حبسه كسرى بالمشقر ثم أدرك القادسية". وكانت عبد القيس أسرته، ثم منت عليه بعد دهر.

والشاعر "أبو زيد، حرملة بن المنذر بن معديكرب بن حنظلة" الطائي من شعراء طيء، وكان نصرانياً ومات على دينه بعد خلافة عثمان. وكان نديم "الوليد بن عقبة"، يشرب الخمر معه، ولما صار "الوليد بن عقبة" إلى "الرقة"، سار "أبو زيد" اليه، فكان ينادمه، وكان يحمل في كل يوم أحد إلى البيعة، فيحضر مع النصارى، ويشرب، ولما مات دفن على "البليخ"، وهناك أيضاً قبر "الوليد بن عقبة". وقد اشتهر بوصف الأسد، وكان مغرى بوصفه في شعره. وورد في رواية انه أسلم بتأثير "الوليد بن عقبة" عليه. لكن الأغلب انه بقي على نصرانيته، وقد استعمله "عمر" على صدقات قومه، ولم يستعمل نصرانياً غيره. قيل انه رثى "علي بن أبي طالب". وكان له أخ "من خلصة ملوك العجم". وذكر انه بقي إلى أيام معاوية.

و"الشماخ بن ضرار" الذبياني من الشعراء كذلك، أدرك الجاهلية والإسلام. و"الشماخ" لقب، واسمه "معقل"، وقيل "الهيثم". "قال ابن الكلبي: كان الشماخ أوصف الناس للخمر وللقوس"، وأرجز الناس على بديهة، وهو كثير الهجاء، له مهاجاة مع "الحليج بن سعد" التغلبي. وله شعر في مدح "عرابة" الأوسي، وكان قدم المدينة، فأوقر له عرابة راحلته تمراً وبرّاً وكساه وأكرمه. وكان له أخوان: مزرداً وجزءاً، رويت مقطعات صغيرة من شعرهما. وللشماخ ديوان شعر مطبوع. قال عنه "ابن سلام": "فأما الشماخ: فكان شديد متون الشعر، أشد أسر الكلام من لبيد، وفيه كزازة. ولبيد أسهل منه منطقاً، وكان للشماخ اخوة، وهو أفحلهم، ومزرد هو أشبههم به. ذكر ان "الوليد بن عبد الملك" أنشد شيئاً من شعره في وصف الحمير، فقال: ما أوصفه لها، اني لأحسب ان أحد أبويه كان حماراً. قيل: كان يهجو قومه وضيفه ويمّن عليهم بقراه، وهو أرجز الناس على البديهة. وجعله "الجمحي" في الطبقة الثانية من شعراء الإسلام، وقرنه بالنابغة الجعدي، ولبيد، وأبي ذؤيب الهذلي. وقال: انه كان شديد متون الشعر، أشد كلاماً من لبيد. وكان معاصراً للحطيئة. ويروي ان "الحطيئة" كان يعدّه أشعر بني غطفان.

وأخوه "مزرد"، واسمه "جزء بن ضرار". وقيل يزيد وجزء آخوهما. وهو "مزرد بن ضرار بن سنان بن عمر بن جحاش بن بحالة الغطفاني" الثعلبي. يقال مزرد لقب له، لقب به لقوله: فقلت تزردها عبـيد فـإنـنـي  لزرد الشيوح في الشباب مزرد  وكان يكنى "أبا ضرار"، وقيل: "أبا الحسن"، وهو أسن من الشماخ، وكان هجاء حلف أن لا ينزل به ضيف الإ هجاه، ولا سكب سنه ولا بيت الإ هجّاء ، ثم أدرك الإسلام فاسلم. قدم على رسول الله فأنشد له أبياتا منها:

تعلم رسول الله لم ار مـثـلـهـم  أحسن على الأدنى واقرب للفضل
تعلم رسول الـلـه أنا كـأنـنـا  أفأنا بأنمار ثعالـب ذي غـسـل

وانمار رهطه، وكان يهجوهم.

وورد عن"عائشة" إنها قالت: من صاحب هذه الأبيات: تعني التي في عمر لما مات: جزى الله خيرا من أمير وباركت  يد الله في ذاك الأديم الممـزق قالوا: مزرد، فسألت من مزرد? فحلف بالله انه لم يشهد الموسم تلك السنة، ومنهم من نسب هذه الأبيات التي قبلها للشماخ.

ومعن بن اوس بن نصر بن زياد المزني، شاعر مجيد فحل من المخضرمين. عمّر إلى أيام ابن الزبير، وهو من شعراء مضر. ذكر "المرزباني"، انه كان رضيع "عبد الله بن الزبير"، وكان مصاحبا له، وكف في آخر عمره.

و"سويد بن أبي كاهل" أو "سويد بن غطيف" وقيل اسمه: "غطيف ابن حارثة" اليشكري، ويقال "الوائلي"، ويقال "الغطفاني"، ويكنى "أبا سعيد"، هو شاعر مخضرم، وهو صاحب قصيدة مطلعها:

 بسطت رابعة الحَبْلَ لـنـا  فوصلنا الحَبْل منها ما اتسع

وهي قصيدة من أغلى الشعر وأنفسه في نظر علماء الشعر، ذكر أن العرب كانت تفضلها و تقدمها، وتعدها من حكمها، وكانت في الجاهلية تسميها "اليتيمة" لما اشتملت عليه من الأمثال.

وللشاعر شعر كثير، لكن برزت هذه على شعره.

ذكر انه كان إذا غضب على قومه، ادعى إلى غطفان، فقال رجل من "بني شيبان":

من يشتري مسجدي ذبيان إذا طعنوا  إلى فزارة أو من يشتري الـدارا

فأجابه سويد:
إن المساجد لا تباع و إنما  باعت كحيلة بظرها البيطارا

وعد من المعمرين، ذكر انه عمّر في الإسلام ستين سنة بعد الهجرة.

وقد وضعه "ابن سلام" مع الحارث بن حلزة، وعنترة، وعمرو بن كلثوم في الطبقة السادسة من شعراء الجاهلية.

و"الزبرقان بن بدر"شاعر تميم من الشعراء المخضرمين، وكان اسمه "الحصين". ولما قدم وفد "تميم" إلى المدينة في أشرافهم، كان الزبرقان احدهم، ولما تفاخروا بأنفسهم و تباهوا بفعالهم، قالوا للرسول: يا محمد ائذن لشاعرنا، فقال: نعم، فقام الزبرقان بن بدر، فقال قصيدته التي مطلعها:

نحن الكرام فلا حيّ يعادلنـا  منّا الملوك وفينا تنصب البيع

وذكر أن الرسول ولاه صدقات قومه فأداها في الردة إلى أبي بكر فأقره ثم إلى عمر.

وقد هجا "الحطيئة" الزبرقان بن بدر، وكان سبب ذلك أن الحطيئة لقي الزبرقان ب"قرقرى" ومعه ابناه اوس و سوادة و بناته و امرأته فعرفه الزبرقان و سأله أين تريد? قال: العراق لأصادف من يكفيني عيالي و أصفيه مدحي، فقال له: لقيته، قال: من? قال: أنا، قال: من أنت? قال الزبرقان ابن بدر. وكتب كتابا إلى امرأته، لتعطيه و تنفق عليه، فبلغ ذلك: "بغيض ابن عامر" وإخوته و بني عمه، وكانوا ينازعون "الزبرقان" الرياسة، فدسوا إلى "أم بدرة" امرأة الزبرقان أن الزبرقان يريد ان يتزوج بنت الحطيئة، ولذلك أمرك أن تكرميه، فجفته آم بدرة، فأرسل بغيض أهله إلى الحطيئة إن ائتنا فنحن أحسن لك جوارا من الزبرقان، وأطعموه ووعدوه، فتحول إليهم، فلما جاء "الزبرقان" بلغه الخبر فركب إليهم، فقال لهم: ردوا علي جاري، فأبوا حتى كاد أن يكون بينهم حرب، فحضرهم أهل الحي فاصطلحوا على أن يخيروه فاختار بغيضا و رهطه، فجعل الحطيئة يمدحهم من غير أن يتعرض بالزبرقان، فلم يزل كذلك حتى أرسل الزبرقان إلى شاعر من "النمر بن قاسط" يقال له: "دثار بن شيبان" فهجا بغيضا وآل بيته، فلما سمع الحطيئة شعر دثار، حمى لجيرانه، فقال شعره في الزبرقان معرضا به، فأستعدى الزبرقان "عمر" عليه، فحبس الحطيئة أياما، فقال وهو محبوس:

ماذا تقول لأفراخ بـذي مـرخ  زغب الحواصل لا ماء و لا شجر
القيت كاسبهم في قعر مظـلـمة  فاغفر عليك سلام الله يا عـمـر

وشفع له "عمر بن العاص" فأطلقه.

وقيس بن عاصم بن سنان المنقري ن من الصحابة و من الشعراء الفرسان الشجعان. ومن الحلماء. قدم في وفد تميم على النبي، فقال رسول الله: "هذا سيد أهل الوبر". وقد عاش بعد الرسول.

و"عمرو بن سنان بن سمي بن سنان بن خالد بن منقر" المنقري، من "بني منقر"، فهو من شعراء تميم. ويعرف ب"عمرو بن الاهتم"، سمي ابوه سنان الاهتم، لأن "قيس بن عاصم" المنقري ضربه بقوس فهتم فمه. وكانت آم سنان سبية من الحيرة، يقال إنها سبيت وهي حامل. قال ابن عاصم:

نحن سبينا آمكم مُـقـرِبـا  يوم صبحنا الحيرتين المنون
جاءت بكم غفرة من ارضها  حيرية ليست كما تزعمون
لولا دفاعي كنتـم اعـبـداً  منزلها الحيرة و السيلحون

و"غفرة" هي أم سنان.

واخو "عمرو بن الأهتم"، عبد الله بن الأهتم، جد خالد بن صفوان بن عبد الله بن الأهتم الخطيب. وآل الأهتم خطباء، و كلهم من البلغاء المشهورين.

وعمرو بن الأهتم، ممن وفد على رسول الله، وكان في الجاهلية يدعى "المُكَحَّل" لجماله، وكان له ابن يقال له "نعيم بن عمرو" من أجمل الناس، وفيه تأنيث، وله يقول عبد الرحمن بن حسان:

قل للذي كاد لولا خط لحـيتـه  يكون أنثى عليها الدرّ و المسك
هل أنت إلا فتاة الحي إن امنوا  يوما، وأنت إذا ما حاربوا دُعك

ومن شعره قوله في حق الزبرقان بن بدر، وكان ينافسه:

ظللت مفترش العلياء تشتمـنـي  عند النبي فلم تصدق ولم تصـب
ان تبغضونا فأن الروم اصلـكـم  والروم لا تملك البغضاء للعرب
فأن سوددنـا عـود وسـوددكـم  مؤخر عند اصل العجب و الذنب
 
و"نافع بن الأسود بن قطبة بن مالك" التميمي ثم الاسيدي، شاعر مخضرم يكنى "ابا نجيد". وقد شهد فتوح العراق، وانشد له "سيف" في الفتوح أشعارا كثيرة، يفتخر فيها بقومه، ويذكر فيها مشاهده في فتوح الشام و العراق.

ومن شعراء تميم المخضرمين: "متمم بن نويرة" اليربوعي، صاحب المراثي المشهورة في أخيه "مالك بن نويرة" الذي قتله "خالد بن الوليد" لما سار لقتال آهل الردة، وتزوج امرأته، مما أدى إلى غضب بعض الصحابة ومنهم "عمر" على "خالد"، لأمور اخذوها في قتله عليه. ومن شعره المشهور في رثاء "مالك" قوله:

أبى الصبر آيات أراها و أنني  أرى كل حبل بعد حبلك أقطعـا
واني متى ما ادعُ باسمك لا تجب  وكنت جديرا ان تجيب و تسمعا
وكنا كند ماني جـذيمة حـقـبة  من الدهر حتى قيل لن يتصدعا
فلما تفرقنا كأنـي و مـالـكـا  لطول اجتماع لم نبت ليلة معـا
فان تكن الأيام فرقـن بـينـنـا  فقد بان محمودا أخي يوم ودعـا
أقول وقد طار السنا في ربابـه  وغيث يُسح الماء حتى تـريعـا
سقى الله أرضا حلّها قبر مالـك  دِهاب الغوادي المدجنات فأمرعا
وآثـر سـيل الـواديين بـديمة  ترشح وسميا من النبت خروعـا

وهي قصيدة مؤثرة تعد من المراثي الجيدة القوية. تعبر عن قلب منفطر من شدة ما حل به من الألم. قيل أن"عمر" قال لمتمم لما دخل عليه أنشدني بعض ما قات في أخيك فأنشده شعره المتقدم، قال له "عمر": "يا متمم، لو كنت أقول الشعر لسّرني أن أقول في زيد بن الخطاب مثل ما قلت في أخيك، قال متمم: يا أمير المؤمنين، لو قتل أخي قتلة أخيك ما قلت فيه شعرا أبدا، فقال عمر: يا متمم ما عزّاني احد في أخي بأحسن مما عزيتني به". وقد ضربت الشعراء الأمثال به و بأخيه مالك في أشعارهم.

ومما سبق اليه مالك ن واخذه الناس منه قوله:

جزينا بني شيبان أمس بقرضهم  وعُدنا بمثل البدء، و العود احمد

فقال الناس: العود احمد.

"يروى ان عمر قال للحطيئة: هل رأيت أو سمعت بأبكى من هذا? قال: لا والله ما بكى بكاء عربي قط و لا يبكيه". وكان عمر يستمع إلى قوله في رثاء أخيه.

ومن شعره المشهور قوله: وكل فتى في الناس بعد ابن أمه  كساقطة إحدى يديه من الخبل
وكان "مالك بن نويرة" من الشعراء كذلك. وقد عرف ب "فارس ذي الخمار". وذو الخمار فرسه. ولقب ب "الجفول". وهو من شعراء وفرسان "بني يربوع" المعدودين. وكان من أشرفهم ومن أرداف الملوك. استعمله النبي على صدقات قومه، وبقي عليها إلى وفاة الرسول، فيقال انه لمّا بلغه خبر وفاته أمسك الصدقة وفرقها في قومه وقال في ذلك: فقلت:

خذوا أموالكم غير خائف  و لا ناظر فيما يجيء من الغد
فإن قام بالدين المحـوق قـائم  أطعنا وقلنا الدين دين محمـد

وقد قتل خالد بن الوليد، مالكاً، في قصة ترد في كتب الردة والفتوح والتأريخ، وتزوج امرأته، وكانت فائقة في الجمال، مما حمل بعض الصحابة مؤاخذته على هذا العمل، ومنهم "عمر
".
ومن المخضرمين "النجاشي" "قيس بن عمرو" الحارثي، وكان ممن لازم علياً وشهد معه "صفين"، ومدحه. وقد بلغ "علياً" وهو بالكوفة انه كان سكران في شهر "رمضان" مع "أبي سماك" الأسدي، فهرب "أبو سماك"، وقبض على "النجاشي" فحدّه "علي" ثمانين سوطاً، ثم زاده عشرين، فقال له: ما هذه العلاوة? فقال: لجرأتك على الله في شهر رمضان، ثم وقفه للناس ليروه، فهرب إلى "معاوية" وهجا "علياً" على ما يقال، وهجا أهل الكوفة. وكان هجّاء، هجا "بني العجلان"، فاستعدوا عليه "عمر". فهدّد "عمر" النجاشي، وقال له: إن عدت قطعت لسانك. وهجا قريشاً هجاء مراً. وهجا "عبد الرحمن بن حسان بن ثابت"، ولما مات "الحسن بن علي" رثاه النجاشي، وتوفي بعد ذلك بقليل.

وروى أنه هاجي "تميم بن مقبل" من "بني العجلان"، وهو من شعراء الجاهلية، الذين أدركوا الإسلام، وعمر طويلاً. وكان يتهاجى مع "النجاشي"، فاستعدى "تميم" "عمر" على النجاشي، فسمع "عمر" ما قال فيه وفي بني قومه، فلما وصل إلى بيته:

أولـئك أولاد الـهـجـين وأسـرة  اللئيم ورهط العاجز المـتـذلـل
وما سمي العجـلان إلا لـقـولـه  خذ القعب واحلب أيها العبد واعجل
 
قال عمر: أما هذا فلا أعذرك عليه فحبسه وضربه. وكان "عمر" قد حكم "حساناً" في هجاء "النجاشي" لتميم، فلما حكم "حسان" بإقذاعه في هجائه له حبس "النجاشي" عليه. وقد جمع "أبو سعيد" السكري شعر "تميم بن مقبل"، وجمعه غيره من العلماء. وهو "تميم بن أُبي بن مقبل". وقد اشتهر بوصف القداح، حتى جعل من أوصف العرب للقدح، ولذلك يقال: "قدح ابم مقبل".

ويعدّ "تميم بن مقبل" من عوران قيس، وعددهم خمسة شعراء، وهم: تميم بن مقبل، وعمرو بن أحمر الباهلي، والشماخ معقل بن ضرار، وراعى الإبل عُبيد بن حصين التميري، وحميد بن ثور الهلالي. وهو من الجاهليين الذين أدركوا الإسلام، فأسلم، فهو من المخضرمين. وقد أدرك زمن معاوية، وكان هواه مثل هوى قبيلته مع "معاوية" على "علي". وكان عثمانياً له قصيدة في رثاء أهل الجاهلية، وكان يتذكر الجاهلية ويترحم على أيامها، ويحن اليها، ويرى ان الزمان قد تغير، وان الأرض قد تغيرت، وتبدلت أخلاق الناس، فصار يرى نفسه غريباً في مجتمع غريب عنه، له مُثل تختلف عن مثل أهل الجاهلية، فصار يحن إلى أيام ما قبل الإسلام.
قيل لتميم بن مقبل: تبكي أهل الجاهلية وأنت مسلم: فقال:

وماليَ لا أبكي الديار وأهلـهـا  وقد زارها زوّار عكٍَ وحميرا
وجاء قطا الأجباب من كل جانب  فوقّع في أعطافنا ثـم طـيّرا

وفي هذه القصيدة المؤلفة من خمسين بيتاً، والمنشورة في ديوانه، والتي وردت بروايات مختلفة، حنين ظاهر إلى أيام الجاهلية، وتوجع بيّن للتغير الذي حدث فاجتث ذكريات الأيام القديمة، إذ باد أهلها، وتنكر الناس لها، وبرز من لم يكن معروفاً إذ ذاك من الناس. فهو يرى أن الجاهلية بأيامها وبمثلها وبرجالها وبقبائلها، وبمروءتها، أحسن حالاً من الأيام الجديدة التي أخذت مكانها، والتي أحلت الموالي ونكرات الناس محل السادة الأشراف.

وكان قد تزوج "الدهماء" زوجة أبيه في الجاهلية، على عادتهم في تزوج نساء الآباء، وأحبها حباً شديداً، فلما جاء الإسلام وحرم هذا الزواج، اضطر إلى تطليقها، وهو مكره، فكان يقول:

هل عاشق نال من دهماء حاجته  في الجاهلية قبل الدين مرحوم

ولعل هذه الطلاق، كان في جملة العوامل التي جعلته يحن إلى الجاهلية ويذكرها بخير.

ومما ينسب اله قوله:

فاخلف وأتلف انما المال عـارة  وكله مع الدهر الذي هو آكلـه
وأيسر مفقودٍ وأهـون هـالـكٍ  على الحيّ من لا يبلغ الحي نائله

وقوله:

خليليّ لا تستعـجـلا وانـظـرا غـداً  عسى أن يكون الرفق في الأمر أرشدا
 
وكان "عبد الرحمن بن حسل" الجمحي من الشعراء الهجائين. كان أبوه من أهل اليمن، فسقط إلى مكة، فولد له بها: "كلدة" و "عبد الرحمن"، وكانا ملازمين لصفوان بن أمية بن خلف الجمحي، فنسبا إلى "بني جمح". وذكر أنهما كانا أخوي "صفوان" لأمه. وذكر أنه كان بعسكر "يزيد بن أبي سفيان"، وأنه كان من مسلمة الفتح. وقد هجا "عثمان" لما أعطى مروان خمسمائة ألف من خمس "إفريقية" فقال:

وأحـلـف بـالـلـه جـهـــد الـــيمـــين  ما تـــرك الـــلـــه أمـــراً ســـدى
ولـكـن جـعـلـت لـــنـــا فـــتـــنة  لكـي نـبـتـلـي بـك أو تـبــتـــلـــى
دعـوت الـــطـــريد فـــأدنـــيتـــه  خلافـاً لـمـا سـنّـه الـمـصـطـــفـــى
وولـيت قـربـاك أمـــر الـــعـــبـــاد  خلافـاً لـسـنة مــن قـــد مـــضـــى
وأعطيت مروان خمس الغنيمة آثرته وحميت الحمى
ومالاً أتاك به الأشعري  من الـفـيء أعـطــيتـــه مـــن دنـــا
فإن الأمـــينـــين قـــد بَـــيّنــــــا  منـار الـطـريق عــلـــيه الـــهـــدى
فمـــا أخـــذا درهـــمـــاً غــــيلة  و لا قـسّـمـا درهـمـــاً فـــي هـــوى

فأمر "عثمان" به فحبس بخيبر. وقيل ان "علياً" كلم "عثمان" فيه فأطلقه وشهد الجمل مع علي، ثم صفين فقتل بها. وذكر انه قال وهو في السجن:

إلى اللهِ أشكو لا إلى الناس ما عدا  أبا حسن غلا شـديداً أكـابـده
بخيبر في قعر الغموص كأنهـا  جوانب قبر أعمق اللحد لاحـده
أإن قلت حقاً أو نـشـدت أمـانة  قتلت فمن للحق إن مات ناشـده

و "ألس بن أبي أناس بن زنيم" الكناني، هو من الشعراء الذين كانوا قد هجوا الرسول فأهدر النبي دمه، فبلغه ذلك، فقدم عليه معتذراً، وأنشده شعراً مدحه به. وكلمه فيه "نوفل بن معاوية" الديلي، فعفا عنه، قائلاً للرسول: "أنت أولى بالعفو، ومن منا لم يؤذك ولم يعادك، وكنا في الجاهلية لا ندري ما نأخذ وما ندع حتى هدانا الله بك وأنقذنا من الهلكة? فقال: قد عفوت عنه. فقال: فداك أبي وأمي. وأول القصيدة يقول فيها: فما حملت من ناقة فوق رحلها  أبرّ وأوقى ذمة من محـمـد
ويقول فيها:

ونبي رسول الله أني هجـوتـه  فلا رفعت سوطي إليّ إذا يدي
فإني لا عرضاً خرقت و لا دماً  هرقت فذكر عالم الحق واقصد"

وقد ذكر "ابن قتيبة"، ان "أبا أناس"، والد "أنس"، هو القائل في رسول الله:

فما حَمَلَتْ من ناقة فوق رحلها  أعف وأوفى ذمة من محمـد

وقد قال "دعبل بن علي" في طبقات الشعراء، هذا أصدق بيت قالته العرب. وفي جملة ما جاؤ في هذه القصيدة التي تنسب إلى أنس بن زنيم قوله:

ونبي رسول الله أني هجـوتـه  فلا رفعت سوطي إليّ إذا يدي
فإني لا عرضاً خرقت و لا دماً  هرقت فذكر عالم الحق واقصد

وذكر أن "عبيد بن زياد" كان يحرش بين الشعراء، فأمر "حارثة" أن يهجو "أنس بن زنيم"، فقال فيه أبياتاً، منها قوله:

وخبرت عن أنس أنه  قليل الأمانة خوّانها

فأجابه أنس بأبيات أولها:

أتتني رسالة مستنكر  فكان جوابي غفرانها

وأنس هو القائل لعبد الله بن الزبير، حين تزوج مصعبُ عائشة بنت طلحة على ألف ألف درهم:

أبلغ أميرَ المؤمنين رسـالةً  من ناصحٍ لكَ لا يُريدُ خِداعا
بضع الفتاةِ بألفٍ ألفٍ كاملٍ  وتبينتُ سادات الجنود جياعا
لَوْ لأبي حفص أقول مقالتي  وأقص شأن حديثكم لارتاعا

وكن "أسيد بن أبي اياس بن زنيم" الكناني ابن اخب "سارية" الكناني، ممن هجوا الرسول أيضاً، فأهدر النبي دمه، فخرج إلى "الطائف" وأقام بها، مثل غيره ممن هجوا الرسول فخافوا على أنفسهم، فلجأوا إلى ثقيف. فلما كان عام الفتح، خرج مع "سارية بن زنيم"، وقدم على الرسوم فأسلم. ومدحه بشعر. وذكر انه كان قد رثى قتلى بدر، فأهدر النبي دمه. وروي انه قال في علي بن أبي طالب وفي مخاطبة قريش:

في كل مجمع غـاية أخـزاكـم  صدع يفوق على المذاكي القرح
هذا ابن فاطمة الذي أفـنـاكـم  ذبحاً وقتلاً بعضـه لـم يرتـح
للـهِ دركـم ألـمـا تـذكـروا  قد يذكر الحر الكريم ويستحـي

وورد في رواية انه كان قد أسلم وأدرك "أحداً". وتشابه قصته في هدرالنبي دمه وفي هجائه للرسول قصة "أنس بن زنيم" الكناني، المتقدم، وهو ابن أخي "أسيد" على رواية "الإصابة".
وروي أن "سارية بن زنيم" الكناني، كان ممن هجا الرسول كذلك، فبلغ ذلك الرسول، فتوعده.

فجاء اليه معتذراً فأنشد:

تعلم رسول اللـه أنـك قـادر  على كل حيّ من تهام ومنجـد
تعلم رسول الله انك مـدركـي  وأن وعيداً منك كالأخذ بالـيد
تعلم بأن الركب إلا عـويمـراً  هم الكاذبون المخلفو كل موعد
ونبي رسول الله أني هجـوتـه  فلا رفعت سوطي إليّ إذا يدي

وتليها أبيات أخرى، نسبت كلها إلى "انس بن زنيم". ويظهر أن التباساً قد وقع عند الرواة، فخلطوا بين الثلاثة من "آل زنيم".

وقد ذكر أن "سارية" هذا كان خليعاً في الجاهلية، لصاً كثير الغارة، وأنه كان يسبق الفرس عدواً على رجليه، ثم أسلم. وأرسله "عمر" فيمن أرسله من المسلمين لفتح فارس.
وكان "بشير بن أبيرق" "بشر بن أبيرق" الشاعر يقول الشعر ويهجو به أصحاب النبي، وينحله بعض العرب.

وجعل "ابن سلام": "أمية بن حرثان بن الأشكر" "أمية بن الأسكر" و"حريث بن مُحَفّض"، و"الكميت بن معرور بن الكميت" الأسدي، و"عمرو بن شأس" الأسدي، طبقة واحدة، هي الطبقة العاشرة من طبقاته. وكلهم ممن عاش في الجاهلية والإسلام، وكان "أمية بن الأسكر" الكناني من سادات قومه وفرسانهم، وله أيام، وابنه "كلاب بن أمية"، أدرك النبي فأسلم مع أبيه. وقد سكن "كلاب" البصرة. وروى لأمية شعراً في حروب الفجار.

و"حريث بن مخفض" "حريث بن محفص"، المازني من تميم، من "خزاعي بن مازن". وهو مخضرم له في الجاهلية أشعار، وتمثل الحجاجُ بأبيات من شعره، مثلاً لأهل الشام في طاعتهم وبأسهم، وهي قوله:

ألم ترَ قومـي إن دعـوا لِـمُـلّـمةٍ  أجابوا وإنْ أغضب على القومِ يغضبوا
بني الحربِ لم تقعد بهم أمـهـاتـهـم  وآباؤهم آبـاء صِـدقٍ فـأنـجـبـوا
فإن يك طعن بالرُدينـي يطـعـنـوا  وإن يك ضرب بالمناصل يضـربـوا

و "عمرو بن شأس" الأسدي، المكنى ب"أبي عرار"، شاعر كثير الشعر مقدم، شهد القادسية، ومنهم المستوغر، واسمه "عمرو بن ربيعة"، ويكنى "أبا بهنس"، وهو من تميم، زعم انه عاش ثلاثين وثلاثمائة سنة، وأدرك أيام معاوية. وذكر ان "عمرو بن شاس" عاش حتى أدرك أيام عبد الملك بن مروان.

ومن الشعراء المخضرمين "المنذر بن رومانس" الكلبي، وهو أخو النعمان بن المنذر لأمه، وأمهما "رومانس". وله شعر قاله بعد فتح الحيرة، يتذكر فيه أيام الحيرة الأولى، وكيف كانوا يحكمون العراق ونجداً.
ومن المخضرمين "أبو الأعور سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل"، وهو أحد الصحابة الذين أسلموا قديماً، وفي بيته أسلم "عمر"، لأنه كان زوج أخته فاطمة، توفي سنة "50"، وقد أورد الجاحظ له شعراً، وهو شعر نسب أيضاً لوالده، وتروى كذلك لنبيه بن الحجاج.

و "سالم بن دارة من الشعراء المخضرمين" وهو "سالم بن مسافع "مسافح" ابن عقبة بن يربوع بن كعب بن عدي" من "غطفان". وكان رجلاً هجاء وبسببه قتل. قتله "زميل بن أبير" " زميل بن عبد مناف"، "زميل بن أبرد"، "زميل بن وبير" من بني فزارة وكان "سالم" قد أمعن في هجاء فزارة، وألح عليها في الهجاء، فقال في جملة ما قاله:

حَدَبْدبا بَدْبَدبـا مـنـك الآن  استمعوا أنشدكم يا ولـدان
إنّ بني فزارة بـن ذبـيان  قد طرّقت ناقتهم بإنسـان
مُشّيإ أعجِب بخلق الرحمن  غلبتم الناس بأكل الجُردان
كلّ متلّ كالعمو جَـوفْـان  وسرق الجار ونيك البعران

إلى غير ذلك من شعر مقذع، فلما أمعن في الهجاء، تعقبه "زميل بن أبير" "زميل بن أم دينار" الفزاري، فلحق به وضربه بالسيف ضربة جرحته، وكان قد خرج من المدينة، فعاد اليها، يتداوى، فدفعه "عثمان" إلى طبيب نصراني، ويقال إن "أم البنين" "بسرة بنت عيينة بن حصن" الفزاري، وكانت عند "عثمان"، جعلت للطبيب جعلاً حتى سمّه فمات.

ومن شعره في هجاء فزارة قوله: لا تأمنن فزاريّاً خلوت بـه  على قلوصك واكتبها بأسيار 
وله شعر يخاطب به "عيينة بن حصن" الفزاري، وكان قد ارتد في خلافة "أبي بكر" ثم عاد إلى الإسلام، وقال لأبي بكر: قصتي وقصة الأشعث ابن قيس الكندي واحدة، فما بالكم أكرمتموه وزوجتموه، ولم تفعلوا ذلك بي، فأجاب سالم عن ذلك بقوله:

يا عـيينة بـن حــصـــن آل عـــدي  أنـت مـن قـومـك الـصـمـيم صـمـيم
لست كالأشـعـث الـمـعـصـب بـالـتـا  ج غـلامـاً قـد سـاد وهـو فــطـــيم
جدّه آكـــل الـــمـــرار وقـــيس  خطبه فـي الـمـلـوك خـطـب عـظـيم
إن تـكـونـا أتـيتـمـا خـطـب الـعــذ  ر سـواكـــمـــا تـــقـــد الأديم
فله هيبة الملوك وللأشعث إن حان حادث قديم
إن للأشعث بن قيس بن معدي  كرب عـــزة وأنـــت بـــهـــيم

وأتى "سالم بن دارة" عدي بن حاتم، فمدحه، فشاطره "عدي" ماله.

والأغلب بن عمرو بن عبيدة بن حارثة بن دُلف بن جشم بن قيس بن سعد ابن عجل بن لجيم بن الصعب بن عليّبن بكر بن وائل، من الشعراء المخضرمين، ويعد من أرجز الرُجّاز، وأرصنهم كلاماً وأصحهم معاني. وهو أول من أطال الرجز، وكان الرجل قبله يقول البيت والبيتين إذا فاخر أو شاتم. وذكر أنه استشهد بنهاوند. وله ديوان. وقيل ان الخليفة "عمر" كتب إلى "المغيرة ابن شعبة" وهو على الكوفة، أن استنشد من قبلك من الشعراء عما قالوه في الإسلام، فكتب إلى لبيد، فكتب لبيد اليه سورة البقرة في صحيفة، وقال: قد أبدلني الله بهذه في الإسلام مكان الشعر، وجاء "الأغلب" إلى المغيرة، فقال له: أرجزاً تريد أم قصـيدا  لقد طلبت هيّناً موجودا 
فكتب بذلك إلى "عمر"، فكتب اليه أن أنقص من عطاء الأغلب خمسمائة فزدها في عطاء لبيد، وله قوله:

المرء توّاق إلى ما لم ينـل  والموت يتلوه ويلهيه الأمل

وأنشد له "أبو الفرج" أرجوزة يهجو فيها سجاح التي ادعت النبوة وتزوجت بمسيلمة الكذّاب.

وكان "هريم بن جواس" التميمي، يهاجي "الأغلب"، وهو من المخضرمين، وافقه بسوق عكاظ، فقال له:

قبحت من سالفة ومـن قـفـا  عبد إذا ما رسب القوم طفـا
فما صفا عدوّكـم و لاصـفـا  كما شرار البقل أطراف السفا

فقال له: من أنت ويلك? قال:

أنا غلام من بني مقاعس  الضاربين فلك الفوارس

ومن الشعراء المخضرمين: "عقيبة بن هُبيرة" الأسدي. وكان جريئاً، وفد على معاوية بن أبي سفيان، فدفع اليه رقعة فيها:

فهبنا أمة ذهبت ضِـياعـاً  يزيد أميرهـا وأبـو يزيد
أكلتم أرضنا فجردتمـونـا  فهل من قائم أو من حصيد
أتطمع في الخلود إذا هلكنا  وليس لنا ولا لك من خلود
ذروا خّون الخلافة، واستقيموا  وتأمير الأراذل والـعـبـيد
وأعطونا السويّة لا تـزركـم  جنود مردفات بالـجـنـود

فقال له معاوية: ما جرّأك عليّ? قال: نصحتك إذ غشوك، وصدقتك إذ كذبوك! فقال: ما أظنك إلا صادقاً! فقضى حوائجه.

ومنهم "حضرمي بن عامر بن مجمع بن موألة "مَوَلَة"" من بني أسد، وهو شاعر فارس سيد، له في كتاب "بني أسد" أشعار وأخبار. وقدم مع وفد "بني أسد"، وفيهم ضرار بن الأزور، وسلمة بن حبيش، وقتادة بن القائف، وأبو مكعب، وكتب لهم الرسول كتاباً. فتلعم "حضرمي" سورة "عبس وتولى"، فزاد فيها: "وهو الذي أنعم على الحبلى، فأخرج منها نسمة تسعى"، فقال له النبي: "لا تزد فيها". وورد ان السورة هي سورة: سبح اسم ربك الأعلى. وكان يكنى: "أبا كدام"، وله شعر في حرب الأعاجم، أنشد بعضه "عمر بن الخطاب"، وقد نقل عنه "سيف بن عمر" في الفتوح بعض أخبار مسيلنة والردة.

ومن المخضرمين "حنيف بن عمير" اليشكري، قاتل "محكم بن الطفيل" يوم اليمامة. وله شعر في قتله.

ومن المخضرمين: "ربيعة بن مقروم بن قيس"، وكان ممن أصفق عليه "كسرى"، ثم عاش في الإسلام زماناً. شهد القادسية وجلولاء، وهو من شعراء "مضر" المعدودين.

ومن الشعراء المخضرمين: "أبو بكر بن الأسود بن شعوب" الليثي، وهو "شداد بن الأسود". وقيل اسمه: "عمرو بن سُمي بن كعب بن عبد شمس" الكناني، وأمه "شعوب" من بني خزاعة، وله شعر كثير قاله وهو كافر، ثم أسلم بعد. ومن شعره، قصيدة في رثاء قتلى المشركين ببدر، يقول فيها:   

فماذا بالقليب قلـيب بـدر  من القينات والشرب الكرام
إلى أن يقول: يخبرنا الرسول لسوف نحيا  وكيف حياة أصداء وهام

ومن المخضرمين: "قطبة بن الزبعري"، وهي أمه. وهو "قطبة بن زيد ابن سعد بن امرئ القيس بن ثعلبة" من بني القين بن جسر. وكان سيد قضاعة في الجاهلية وأول الإسلام. وله مفتخراً:

حميتُ القوم قد علمت معدٌ  ومن للقوم من مولى وجار
حبوت بها قضاعة إن مثلي  حقيق أن يذب عن الذمار
ولست كمن يُغمز جانـبـاه  كغمز التين تجنيه الجواري

ومن المخضرمين "عبدة الطبيب"، "عبدة بن الطيب"، وهو من "بني عبشمس بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم". ومن جيد شعره في رثاء قيس بن عاصم، قوله:

عليك سلام الله قيسَ بن عاصمٍ  ورحمته ما شاء أن يترحمـا
تحية من ألبسته منك نـعـمة  إذا زار عن شحط بلادك سلما
فلم يك قيس هلـكـه واحـدٍ  ولكنه بنيان قـوم تـهـدمـا

وقوله:

والمرءُ ساع لأمر ليس يدركه  والعيش شح واشتقاق وتأميل

وقد أعجب "عمر" بهذه القصيدة الطويلة التي على اللام.

"واسم الطيب: يزيد بن عمرو بن علي بن أنس بن عبد الله بن عبد تميم بن جشم بن عبد شمس بن سعد بن زيد مناة بن تميم". وهو من مشاهير الشعراء، وقد ساهم في فتوح العراق، وهو القائل في قتال الفرس:

هل حبل خولة بعد الهجر موصول  أم أنتَ عنها بعيد الدار مشغـول

ثم يقول:

يقارعون رؤوس الفرس ضاحية  منهم فوارس لا عزل و لا ميل

وكان "أبو عمرو بن العلاء" يقول: قول عبدة:

وما كان قيس هلكه هلك واحد  ولكنه بنيان قـومٍ تـهـدمـا

أرثى بيت قيل.

ومن شعره قوله:

ولقد علمت بأن قصري حفرة  غبراء يحملن اليها شـرجـع
فبكت بناتي شجوهن وزوجتي  والأقربون إلى ثم تصـدعـوا
وتركت في غبراء يكره وردها  تسفى عليّ الريح حـين أودع

وقوله:

لمّا نزلنا نصبنا ظلّ أخـبـية  وفار للقوم باللّحم المراجـيلُ
وَرْداً وأشقر لم يهنئه طابـخةُ  ما غيّر الغلي منه فهو مأكول
ثُمّتَ قمنا إلى جُرْدٍ مـسـومة  أعرافهن لأيدينـا مـنـاديل
ومن المخضرمين "عدي بن عمرو بن سويد بن زبان" الطائي، المعروف بالأعرج. وهو القائل:

تركت الشعر واستبدلت منه  إذا داعي صلاة الصبح قاما
كتاب الله ليس لـه شـريك  وودعت المدامة والندامـى

ومن الشعراء المعمرين: "أبو الطمحان" القيني، واسمه حنظلة بن الشرقي من بني كنانة بن القين. زعم أنه عاش مائتي سنة، فقال في ذلك:

حنـتـنـي حـانـيات الـدهـر حـــتـــى  كأنـي خـاتـــل أدنـــو لـــصـــيد
قصير الخطو يحسب من رآنيولست مقيداً أني بقيد
تقارب خطو رجلك يا سويد  وقـيدك الـزمـــان بـــشـــر قـــيد

ونسب اليه قوله:

إن الزمان ولا تفنى عجائبـه  فيه تقـطـع ألاف وأقـران
أمست بنو القين أفراقاً موزعة  كأنهم من بقايا حي لقـمـان

وقد أختلف فيه، فزعم بعض أنه جاهلي لم يدرك الإسلام، وزعم بعض اخر انه ادركه. وانه قال شعراً يتبرأ فيه من الذنوب كالزنا وشرب الخمر، وأكل لحم الخنزير، والسرقة، وكان نديماً للزبير بن عبد المطلب في الجاهلية، ونسب له قوله:

وإني من القوم الذين هم هـم  إذا مات منهم ميت قام صاحبه
نجوم سماء كلما غاب كوكـب  بدا كوكب تأوي اليه كواكبـه
ًأضائت لهم أحسابهم ووجوههم=دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبة

ومن المعمرين الشعراء: "الربيع بن ضبع" الفزاري، زعم انه أدرك أيام "عبد الملك بن مروان" وانه دخل عليه فقال له: "يا ربيع، أخبرني عما ادركت من العمر والمدى ورأيت من الخطوب الماضية، قال: أنا الذي أقول: هأنذا آمل الخـلـود وقـد  أدرك عقلي ومولدي حجرا 
فقال عبد الملك: قد رويت هذا من شعرك وأنا صبي، قال: وأنا القائل:

إذا عاش الفتى مائتين عاماً  فقد ذهب اللذاذة والفتـاء

قال: قد رويت هذا من شعرك، وأنا غلام، وأبيك يا ربيع، لقد طلبك جد غير عاثر، ففصل لي عمرك، قال: عشت مأئتي سنة في فترة عيسى عليه السلام، وعشرين ومائة في الجاهلية وستين سنة في الإسلام". وأخذ عبد الملك يسأله، وهو يجيب. وقد علق "المرتضى" على هذا الخبر بقوله: "ان كان هذا الخبر صحيحاً فيشبه أن يكون سؤال عبد الملك له انما كان في ايام معاوية، لا في ايام ولايته، لأن الربيع يقول في الخبر: عشت في الإسلام ستين سنة. وعبد الملك ولي في سنة خمسة وستين من الهجرة، فإن كان صحيحاً فلا بد مما ذكرنا، فقد روي ان الربيع أدرك ايام معاوية".

وزعم انه قال شعراً لما بلغ مائتي سنة، وشعراً آخر لما بلغ مائتين واربعين. وهو مثل شعر المعمرين في العمر وفي ذهاب الشبابن وتقدم السن، وفي عدم تحمل السنين والشيخوخة، وغير ذلك من الأعراض التي تلازم الشيوخ.

ومن شعراء بني تميم: "حارثة بن بدر بن حصين بن قطن بن غدانة" الغداني من بني "يربوع"، كان من فرسان "بني تميم" ووجوهها وسادتها، وكان يعارض الشعراء نظراءه في الشعر، ولم يكن معدوداً في فحول الشعراء.

وقد نسبوا اليه قوله:

لعمرك ما أبقى لي الدهر مـن أخ  حفي ولا ذي خلة لـي أواصـلـه
ولا من خلـيل لـيس فـيه غـوائل  فشر الأخلاء الكـثـير غـوائلـه
وقل لـفـؤاد إن نـزا بـك نـزوة  من الروع أفرخ، أكثر الروع باطله

وروى الشريف "المرتضى" أشعاراً أخرى، أكثرها في المنايا، وفي الصدق والاخلاص، والنصح، وتجنب أمكنة السوء، وفي تجاوز الأقرباء على حقوق القريب وفي الوقوع في الفقر حيث يقول:

وإذا افتقرت فلا تكن متخشـعـاً  ترجو الفواضل عند غير المفضل
واستغن ما أغناك ربك بالغـنـى  وإذا تكون خصاصة فتـجـمـل

وقد كان في أيام "زياد بن ابيه"، وكان مستهتراً بالشراب، وله شعر عاتب به "عبد الله بن زياد" لما تغير عليه بعد اختصاصه بأبيه.

ومما استحسن من شعره قوله:

يا كعب ما راح من قوم ولا ابتكروا  إلا وللموت في آثـارهـم حـادي
يا كعب ما طلعت شمس ولا غربت  إلا تـقـرب آجـالا لـمـيعـاد

وكانت لخفاف بن نضلة بن عمرو بن بهدلة الثقفين وفادة على النبين وفد عليه فقال:

إني أتاني في المنام مـخـبـر  من جن وجرة في الأمورموات
يدعو الـيك لـيالـياً ولـيالـيا  ثم احزأل وقال لـسـت بـآت
فركبت ناجية أضر بمتـنـهـا  جمر تحت به على الأكمـات
حتى وردت المـدينة جـاهـداً  كيما أراك فتفرج الكـربـات

ويروى ان النبي استحسنها، وقال: ان من البيان لسحراً وان من الشعر كالحكم.

و "بشر بن قطبة بن سنان" الفقعسي، من الشعراء الفرسان، شهد اليمامة مع "خالد بن الوليد"، وقال في ذلك:

أروح وأغدو في كتـيبة خـالـد  على شطبة قد ضمها الغزو خيفق

ومنها:

إذا قال سيف الله كرّوا علـيهـم  كررنا ولم نجعل وصاة المعوق
أقول لنفسي بعدما رَقَّ بالـهـا  رويدك لما تشققي حين تشفقي
وكوني مع الراعي وصاة محمد  وإن كذبت نفس المنافق فاصدق

ومن شعراء "بني أشجع": "بقيلة" الأشجعي، وكان سيداً كبيراً شاعراً. ومن شعره:

إلبس قريبك إن أطماره خلقـت  و لا جديد لمن لا يلبس الخلـقـا
فإن أشعر بـيت أنـت قـائلـه  بيت يقال إذا أنشدتـه صـدقـا
وانما الشعر لبّ المرء يعرضـه  على المجالس إن كيساً وان حمقا

وكان "امرؤ القيس بن عابس بن المنذر بن امرئ القيس بن عمرو بن معاوية الأكرمين" الكندي، من الشعراء، وكان ممن حضر حصار حصن "النجير"، فلما أخرج المرتدون ليقتلوا، وثب على عمه ليقتله، فقال له عمه: ويحك أتقتلني وأنا عمك? قال: أنت عمّي والله ربي، فقتله.

وكان ممن ثبت على الإسلام، وأنكر على الأشعث ارتداده. وقد كتب إلى "أبي بكر" في الردة:

ألا ابلغ أبا بكر رسولاً  وبلغها جميع المسلمينا
فليس مجاوراً بيتي بيوتاً  بما قال النبي مكذبينـا

ومن شعره:   

قف بالديار وقوف حابـس  وتـأنَّ إنـك غـيرُ آيس
ماذا عليك مـن الـوقـو  ف بهامد الطلّلـين دارس
لعبت بهن الـعـاصـفـا  ت الرائحات من الروامس

وقد أخذه الكميت كله غير القافية فقال:

قف بالديار وقوف زائر  وتـأنَّ إنك غير صاغر

و من الشعر المنسوب إليه، المعروف بخفة رويه، قوله:

يا تَـمْـلِـكُ يا تـــمـــلـــي  صلـينــي وذري عـــذلـــي
ذريني وسلاحي ثم شدي الكف بالغزل
ونَبلي وفقاها  كعـراقـيب قـطـا طُــحـــل
ومـنـي نـظــرةٌ بـــعـــدي  ومـنـي نـظـرةٌ قـبـــلـــي
وثـــوبـــاي جــــــديدان  وأرخـى شـرك الـنـــعـــلِ
وإمـا مـتُ يا تـــمـــلـــي  فكـونـي حـرة مـثـــلـــي

وتروى هذه الأبيات للفند الزماني.

وشداد بن عارض الجشمي من الشعراء المشهورين، ذكره "ابن اسحاق" في المغازي، ولما سار رسول الله إلى الطائف، قال في ذلك:

لا تنصروا اللاتَ إن اللهَ مهلكهـا  وكيف ينصر من هو ليس ينتصر
إن الرسول متى ينزل بـلادكـم  يظعن وليس بها من أهلها بشـر

و"هوذة بن الحرث بن عجرة بن عبد الله بن يقظة" السلمي المعروف ب "ابن الحمامة"، وهي أمه، من الشعراء المخضرمين، قال لعمر بن الخطاب لما قدم أناساً عليه في العطاء:

لقد دار هذا الأمر في غير أهله  فأبصر أمين الله كـيف تـريد
أيدعى خثيم والشريد أمـامـنـا  ويدعى رباح قبلنـا وطـرود
فإن كان هذا في الكتاب فهم إذا  ملوك بني حرّ ونحن عـبـيد

ولمالك بن عامر بن هانئ بن خفاف الأشعري، قصيدة طويلة يشرح فيها أحواله، مذ كان في الجاهلية إلى دخوله في الإسلام، ومجيئه النبي، ثم اشتراكه في الفتوح كالقادسية، ثم مساهمته في حرب صفين مع "علي". وقد ختمها بقوله:

كأن الفتى لم يعـش لـيلة  إذا صار رمساً على صور
وطول بقاء الفتـى فـتـنة  فأطول لعمرك أو أقصـر

وقيل "مالك" الطويلة أهمية خاصة بالنسبة لدارسي الأدب العربي، لأنها تتناول ترجمة حياة الشاعر، وتسجل سيرته بشعر، وهو نموذج لم يتطرق اليه شعراء العربية بكثرة.

و"مالك بن عمير" السلمي من الشعراء المعروفين، ذكر انه جاء إلى النبي فقال: "يا رسول الله إني امرؤ شاعر، فافتني في الشعر? فقال: لأن يمتلئ ما بين لبتك إلى عاقتك قيحاً خير لك من أن تمتلئ شعراً" ويذكر الخبر أنه قال للرسول: "فامسح عني الخطيئة"، فمسح الرسول يده على رأسه ثم أمرها على كبده ثم على بطنه، وترك بعد ذلك الشعر.

ومن المخضرمين "شبيل بن ورقاء" "شبيل بن وفاء" من زيد بن كليب ابن يربوع، وكان شاعراً مذكوراً جاهلياً، فأدرك الإسلام وأسلم إسلام سوء. وكان لا يصوم رمضان، فقالت له بنته: ألا تصوم? فقال:

تأمرني بالصـوم لا دَرَّ درهـا  وفي القبر صومٌ، يا تبال طويل

و "أنس بن مدرك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف" الخثعمي ثم الأكلبي، والمعروف ب "أبي سفيان" هو من الشعراء الجاهليين الذين أدركوا الإسلام. وكان شاعراً وقد رأس؛ إذ كان سيد خثعم في الجاهلية، كما كان فارسها. وذكر أنه قتل "السليك بن سلكة" الشاعر المعروف، وكان قد اعتدى على امرأة من خثعم، فلحقه وقتله، فطالب "عبد ملك مويلك" الخثعمي بدية "السليك"، وكان "السليك" يعطيه إتاوة من غنيمته على الحيرة، فأبى "أنس" أن يديه لفجوره، كما كانت له أخبار مع "دريد بن الصمة" في الجاهلية. وقد عاش طويلاً فزعموا أنه عاش مائة وأربعاُ وخمسين سنة.

وكان "سواد بن قارب" الدوسي من الشعراء، وكان يتكهن في الجاهلية ثم أسلم. ورووا له أبياتاً فيها إشارة إلى "الرئي" والجن.

منقول من كتاب "المفصل في تاريخ العرب"
تأليف د.جواد علي

‏ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق